بوعزة لبرنامج “مثير للجدل”: التعيينات في المناصب العليا مسؤولية سياسية تخضع لمنطق المؤسسات وسيادة القانون لا للأهواء أو الرغبات الشخصية

0 207

قال؛ عبد الرحيم بوعزة، عضو الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة، إن دستور 2011 شكل محطة مفصلية في مسار التعيينات في المناصب العليا بالمغرب، باعتباره أرسى مكسبا مؤسساتيا وتنظيميا مهما، وقطع مع أساليب سابقة كانت تفتقر إلى ضوابط قانونية واضحة في تدبير هذه التعيينات.

وجاءت مداخلة بوعزة خلال حلقة من برنامج مثير للجدل، حملت عنوان: “التعيينات الحكومية في المناصب العليا: ممارسة ديمقراطية أم محاصصة حزبية؟”، عرضت مساء السبت 10 يناير الجاري على قناة “ميدي آن تيفي”.

وأوضح المتحدث أن القانون التنظيمي الصادر سنة 2012 والمتعلق بالتعيين في المناصب العليا وضع اطارا قانونيا دقيقا، يميز بين المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية التي يتم التعيين فيها بظهير شريف بعد التداول داخل المجلس الوزاري الذي يترأسه جلالة الملك، وبين مناصب أخرى يتم التداول بشأنها داخل المجلس الحكومي.

وأشار بوعزة إلى أن هذه التعيينات أصبحت في السنوات الأخيرة موضوع نقاش سياسي واسع، وأحيانا “مزايدات”، خاصة عند تقييم الحصيلة الحكومية خلال ولايات انتخابية معينة، متسائلا عما إذا كانت الحكومات المتعاقبة قد أحسنت توظيف هذا المكسب الديمقراطي الذي أقره دستور 2011.

وفي هذا السياق، شدد على انحيازه لمنطق المؤسسات، معتبرا أن استمرارية ونجاعة المؤسسات العمومية في تدبير الملفات والسياسات العمومية دليل على نجاح الأطر والكفاءات التي جرى تعيينها وفق هذه المساطر، ومؤشر على فعالية الإطار القانوني المعتمد.

وأضاف أن مساطر التعيين في المناصب العليا بالمغرب تتماشى، في خطوطها العريضة، مع الأنظمة المعتمدة في عدد من الدول الديمقراطية ذات الأنظمة التمثيلية، مثل فرنسا وإسبانيا ودول أوروبية أخرى، إضافة إلى بعض دول شمال إفريقيا، مع الإقرار بوجود استثناءات لا تلغي القاعدة العامة القائمة على ترسيخ منطق المؤسسات والاحتكام إلى الوثيقة الدستورية.

واعتبر بوعزة أن أي نقاش عقلاني حول التعيينات في المناصب العليا يظل مرتبطا بطبيعة وموقع الجهة المنتقدة، مبرزا أن أحزاب المعارضة الحالية سبق أن كانت في موقع الأغلبية ومارست بدورها نفس الاختصاصات المرتبطة بالتعيين، كما أن أحزابا أخرى انتقلت سابقا من المعارضة إلى التدبير الحكومي واعتمدت الآليات نفسها.

وأوضح أن الانتقادات غالبا ما تشتد عندما يتعلق الأمر بمناصب بعينها داخل قطاعات حكومية محددة، خاصة في سياق التنافس على هذه المواقع، مشيرا إلى أن من لا يتم تعيينه يكون، في الغالب، أكثر ميلا إلى توجيه الانتقاد، وهو ما وصفه بسلوك سياسي مألوف.

وشدد على أن تدبير الشأن العام في المغرب لا يقوم على الأهواء أو الرغبات الشخصية، بل يستند إلى منطق المؤسسات وسيادة القانون، مؤكدا أن الإطار القانوني المنظم للصلاحيات المخولة للحكومة في مجال التعيينات واضح ومحدد بدقة، ولا يخضع لإرادة رئيس الحكومة أو الوزير المعني بشكل منفرد.

وأضاف أن مسطرة التعيين تمر عبر الإعلان عن المناصب الشاغرة وشروط التباري في الموقع الرسمي لرئاسة الحكومة، إلى جانب مواقع القطاعات الحكومية المعنية، مع إحداث لجان مختصة تتولى دراسة الملفات وإجراء المقابلات، وفق شروط قانونية تهدف إلى ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص.

وفي ما يتعلق بمدى كفاية هذه المساطر، أقر بوعزة بوجود بعض الحالات التي تثير علامات استفهام حول مدى توفر الكفاءة أو الخبرة الملائمة للقطاع المعني، غير أنه شدد على أن هذه الحالات لا يمكن أن تكون معيارا حاسما لتقييم العمل الحكومي، لأن المسؤولية السياسية في نهاية المطاف يتحملها الوزير المختص أو رئيس الحكومة، اللذان سيقدمان الحصيلة أمام المغاربة.

وأوضح أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في شخص المدير العام أو المدير المركزي، بل في كيفية تدبير السياسات العمومية وتنزيل البرنامج الحكومي، مبرزا أن الوزير قد يعين مسؤولا إداريا بناء على صفات وشروط يراها متوفرة فيه، لكنه قد يلجأ إلى تغييره إذا تبين، خلال الاشتغال اليومي، عدم انسجامه مع توجهاته أو مع طريقة عمله أو مع متطلبات المرحلة، تفاديا لتعطيل مصالح الوزارة.

وأقر المتحدث بوجود تعيينات يطبعها قدر من “الضبابية”، مؤكدا أن هذه الممارسات ليست حكرا على الحكومة الحالية، بل عرفتها حكومات سابقة وقطاعات متعددة، كما تعاني منها أحيانا حتى الأطر والمناضلون داخل الحزب السياسي الواحد.

وفي المقابل، اعتبر أن الادعاء بأن الوضع القانوني والممارسة الحالية لا تنتج سوى تعيينات قائمة على الولاءات أو المحاصصة الحزبية أو المجاملات يظل طرحا غير دقيق، مع الإقرار بوجود هذه الممارسات، محذرا من إنكارها، ومؤكدا أن إنكارها سيكون “نفاقا للرأي العام وللقناعات الشخصية”.

وأضاف أن جوهر الإشكال لا يكمن في تبادل الاتهامات يمينا ويسارا، بل في التفكير الجماعي داخل الحكومة والبرلمان حول كيفية مراجعة طرق وأساليب التطبيق العملي للقانون التنظيمي، بما في ذلك مراجعة المراسيم والنصوص التنظيمية المؤطرة له.

وفي هذا السياق، دعا بوعزة إلى إعادة النظر في وتيرة التداول في التعيينات داخل المجلس الحكومي، معتبرا أنه لا يعقل أن يبقى المجلس يتداول أسبوعيا في التعيينات، ومقترحا أن يتم، مباشرة بعد المصادقة على البرنامج الحكومي، الإعلان بشكل شامل وشفاف عن جميع المناصب الشاغرة أو المرتقب شغورها، وفتح باب التباري بشأنها دفعة واحدة وفق شروط واضحة ومعقولة.

وأكد أن الوزير يتم تعيينه على رأس قطاع حكومي بناء على ثقة الناخبين، وعلى برنامج حكومي مصادق عليه، وبمقتضى هذه الثقة، فإن منحه صلاحيات تدبير ميزانيات بمليارات الدراهم يقتضي، في المقابل، تمكينه من هامش قانوني لاختيار الفريق الإداري الذي سيساعده على تنزيل البرنامج الحكومي، متسائلا عن جدوى منحه مسؤوليات مالية كبرى دون منحه الصلاحيات المرتبطة بالاختيار داخل الإطار القانوني.

وشدد على أن هذا النقاش لا يهدف إلى تبرير الفساد أو خرق القانون، مؤكدا أن المغرب يتوفر على إطار دستوري وقانوني واضح، يشمل الدستور والقانون التنظيمي والمراسيم التطبيقية، إضافة إلى مؤسسات رقابية وهيئات حكامة، من بينها المجلس الأعلى للحسابات.

وأشار إلى أن فشل بعض البرامج الحكومية الكبرى، خاصة على المستويات الإقليمية والجهوية، يعود في حالات عديدة إلى سوء التدبير وضعف التنزيل، وليس إلى النصوص القانونية في حد ذاتها.

وختم بوعزة بالتأكيد على أن الحكومة الحالية، مثلها مثل الحكومات السابقة، ستبقى خاضعة للمحاسبة السياسية من خلال تقديم حصيلتها أمام الشعب المغربي، معتبرا أن هذا المسار يعكس استمرار الرهان على منطق المؤسسات الذي كرسه دستور 2011.

مراد بنعلي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.