خطيئة البام: الوضوح الذي لا يُغتفر”
وهدفٌ واحد يجمع كل هذا الضجيج: ضرب الوضوح، وتشويه المعنى، وخلط السياسي بالقضائي، والفكري بالتشهيري.
نفس العبارات، نفس الإيقاع، نفس الاتهامات تُعاد وتُدوَّر بلا خجل، كأن غرفةً مظلمة وزّعت الأدوار ثم أعطت إشارة الانطلاق. هذا ليس اختلافًا في الرأي، بل هجومٌ منسّق، يعرف ماذا يريد ويعرف ممّن يخاف.
في العمق، نحن أمام التعبير الأكثر فجاجة عمّا نُبِّه إليه منذ عقود: مقاومة البنيات التقليدية لكل مشروع تحديثي واضح. فكلما ظهر خطاب سياسي يقطع مع الالتباس ويصرّ على الوضوح، تحرّكت تلقائيًا جيوب مقاومة التغيير. لا لأنها تملك مشروعًا بديلًا، بل لأنها تدرك أن أخطر ما يهدد امتيازاتها ليس الخصومة، بل الوضوح نفسه.
من هذا المنظور، لا يُستهدف حزب الأصالة والمعاصرة لأنه أخطأ، بل لأنه رفض المنطقة الرمادية. والمجتمعات التي تطمح إلى التقدم لا تتقدم بتدبير التناقضات إلى ما لا نهاية، بل بالحسم الفكري والسياسي، حتى وإن كان هذا الحسم مكلفًا. فالإصلاح لا يُرضي الجميع، والوضوح لا يُكافَأ بالتصفيق، بل بالمقاومة.
وحين يعجز جبروت المال عن استيعاب منطق الدولة الحديثة، يتحول من قوة اقتصادية محتملة إلى أداة تعطيل سياسي. فالخلط بين النفوذ الاقتصادي والشرعية السياسية يُنتج تشوهًا في الوعي العام، ويحوّل السياسة من صراع برامج إلى ساحة ابتزاز وتشهير. وعندما يفشل المال في فرض منطقه، يستدعي لغته البديلة: التشكيك، والتخوين، والمسّ بالسمعة.
أما الجانب المظلم في الحياة السياسية، فلا يُواجَه بالشعارات الأخلاقوية ولا بالمزايدات، بل بإصلاح مؤسسي هادئ، وبالاعتراف بأن الانتقال إلى الحداثة مسارٌ صراعي، لا نزهة توافقية. لا تقدم دون صدام مع العادات السياسية القديمة، ولا إصلاح دون إزعاج من يستفيدون من استمرارها.
من هنا، لا ينتظر حزب الأصالة والمعاصرة صكوك غفران من أحد. لأن منطق الإصلاح التقدمي واضح: لا شرعية خارج العمل، والاختيار، وتحمل المسؤولية. النقد مشروع وضروري، لكن تحويل النقاش السياسي إلى محكمة أخلاقية شعبوية ليس تقدمًا، بل نكوص وردّة عن منطق الدولة الحديثة.
والجميل في حزب الأصالة والمعاصرة — وهنا بيت القصيد — أنه اختار الصدق بدل الالتباس، والوضوح بدل الغموض، والالتزام بدل الشعبوية. ليست هذه شعارات، بل شروط أولية لأي مشروع إصلاحي جاد. ولهذا يُهاجَم، لا لأنه استثناء أخلاقي، بل لأنه كسر قاعدة مريحة: قاعدة اللعب في الظل.
البام ليس حزبًا معصومًا، لكنه حزب قرر أن يكون واضحًا في زمن يُكافئ الضبابية.
وهذا ليس خطأ… بل الثمن الطبيعي لكل محاولة جادة لتغيير التاريخ بدل التعايش معه.
هشام عيروض عضو المكتب السياسي