نحو فهم جديد للسياسة
لم تعد السياسة اليوم تفهم بالمعنى الكلاسيكي الذي حصرها طويلا في مؤسسات الحكم، أو في الصراع المباشر حول السلطة، أو في ثنائية موالية/معارضة تختزل فيها كل تعقيدات المجتمع. فالتجربة التاريخية، وتحولات الدولة الحديثة، وتغير أنماط الوعي الجماعي، أبانت أن السياسة أوسع من ذلك بكثير، وأن اختزالها في الانتخابات أو الخطاب الحزبي هو في حد ذاته موقف سياسي محافظ يعجز عن تفسير التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع. إن السياسة، في معناها الأعمق، هي طريقة لتنظيم الممكن داخل المجتمع، وضبط توازناته، وإدارة توتراته، وإنتاج المعنى الذي يمنح الفعل الجماعي شرعيته واستمراريته.
ومن هذا المنظور، تصبح السياسة مرتبطة بالبنيات الاجتماعية والثقافية بقدر ارتباطها بالمؤسسات، فكما أشار ماكس فيبر، لا تقوم السلطة فقط على الإكراه، بل على الاعتراف، أي على قبول المجتمع بشرعية من يمارسها، وهذا القبول لا يصنع في الفراغ، بل يتشكل داخل شبكات معقدة من القيم، والتمثلات، والتاريخ المشترك، لذلك فإن أي فهم جديد للسياسة يقتضي الانتقال من منطق الصراع العاري إلى منطق البناء الرمزي، حيث يصبح الخطاب، والقدوة، والنجاعة، عناصر حاسمة في ترسيخ الفعل السياسي. وفي السياق المغربي، يزداد هذا الطرح أهمية، لأن الدولة لم تتشكل فقط عبر القطيعة، بل عبر الاستمرارية التاريخية، فالسياسة هنا ليست فعلا لحظيا، بل مسارا تراكميا، يتداخل فيه التقليدي بالحديث، والرمزي بالمؤسساتي، ومن ثم فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في استنساخ نماذج جاهزة، بل في إنتاج فهم سياسي منسجم مع خصوصيات المجتمع، قادر على استيعاب مطالبه الجديدة دون المساس بتوازناته العميقة، وهو ما يجعل من سؤال الإصلاح سؤالا ثقافيا بقدر ما هو سياسي، وسؤال نخبة بقدر ما هو سؤال مجتمع.
غير أن هذا الفهم الجديد للسياسة لا يكتمل دون إعادة الاعتبار لأخلاق النقد السياسي وأخلاقيات الصراع الفكري والايديولوجي، فالنقد، في جوهره، ليس هدما ولا تصفية حسابات رمزية، بل هو أداة تفكير جماعي تهدف إلى كشف الأعطاب، وتصويب المسارات، وتوسيع أفق الممكن، وحين يتحول النقد إلى تشهير، أو إلى تخوين، أو إلى استثمار في الغرائز الدنيا، فإنه يفقد طابعه السياسي ليصبح ممارسة عدمية تضعف الفضاء العمومي بدل أن تغنيه.
إن أخلاق النقد السياسي تقتضي أولا التمييز بين الفكرة وصاحبها، وبين الاختلاف والعداء، فالخلاف الايديولوجي لا يلغي مشروعية الآخر، بل يؤكدها، لأن السياسة، كما تقول حنة آرندت، لا تقوم إلا في فضاء التعدد، وبدون هذا الوعي يتحول الصراع الفكري إلى صراع هويات مغلقة، حيث يختزل النقاش في ثنائيات قاتلة من قبيل وطني/خائن، تقدمي/رجعي، حداثي/متخلف، وهي ثنائيات تعيق التفكير أكثر مما توضح الواقع. كما أن أخلاقيات الصراع الايديولوجي تفرض الاعتراف بنسبية المواقف، وبأن الحقيقة السياسية ليست مطلقة، بل تبنى داخل توازنات تاريخية واجتماعية محددة، وهنا يستعيد النقد معناه الفوكوي، باعتباره مساءلة دائمة لأنظمة الخطاب، لا ادعاء لامتلاك الحقيقة النهائية، فالسياسي الذي لا يقبل النقد، أو الذي يمارس النقد من موقع التعالي الأخلاقي، إنما يعبر عن ضعف في الحجة لا عن قوة في الموقف.
ومن جهة أخرى، فإن تجاوز الشعبوية يمر أيضا عبر أخلاق الصراع، لأن الشعبوية تقوم أساسا على تبسيط الصراع وتجريده من تعقيداته وتحويله إلى مواجهة عاطفية بين نحن وهم، بينما السياسة الجادة تشتغل على تحويل الصراع من مواجهة غريزية إلى تنافس عقلاني حول البرامج والرؤى والاختيارات الكبرى، وهو ما يجعل من الأخلاق هنا شرطا للفعالية لا ترفا خطابيا.
إن نحو فهم جديد للسياسة يعني كذلك بناء ثقافة سياسية تعتبر الصراع أمرا طبيعيا وضروريا، لكنها تضع له قواعد تضبطه وتحميه من الانحراف، فصراع بلا أخلاق ينتهي إلى العنف الرمزي، وأخلاق بلا صراع تنتهي إلى الجمود، وحده التوازن بينهما يسمح بإنتاج سياسة حية، قادرة على التجدد دون أن تنفجر، وعلى الاختلاف دون أن تتشظى، وفي هذا الأفق يصبح الفاعل السياسي مطالبا بأن يكون حاملا لمشروع فكري قبل أن يكون مجرد معبر عن موقف ظرفي، وأن يمارس النقد باعتباره مسؤولية لا وسيلة للتموقع السريع، سياسة أقل ضجيجا وأكثر عمقا، أقل انفعالا وأكثر وعيا، سياسة تدرك أن الاختلاف قوة، وأن الأخلاق ليست قيدا على الصراع، بل شرطا لجدواه التاريخية.
حمادة لحبابي عضو المجلس الوطني
#فهم_وافهام
#رأي_وتحليل