حزب الأصالة والمعاصرة.. من سؤال النشأة إلى حتمية الضرورة

0 1٬637

لماذا تأسس البام لسد فراغ قاتل في العرض الحزبي، وهل ما يزال الفراغ قائما؟
أفهم لماذا يعود بعض خصوم حزب الأصالة والمعاصرة، كلما اقترب موعد انتخابي أو احتدم نقاش سياسي، إلى الحكاية الأولى. حكاية النشأة. تطرح كأنها جواب نهائي لا يحتاج تفصيلا.

“حزب هجين ولد في كنف الإدارة”، تختلف النبرة من منبر إلى آخر، لكن الهدف واحد. ضرب شرعية الفكرة قبل أن يبدأ النقاش حول ما أنجز وما تعثر.
ومع الهجمات الأخيرة، تعالت الأصوات أكثر مما اتسعت الأسئلة. لا يشدني سباق الأسماء ولا التشفي العابر الذي يصاحب بعض الحملات. يشدني الإصرار على تحويل تجربة كاملة إلى شعار، ثم تقديم الشعار كحكم نهائي. أحيانا يكون ذلك تحريضا لأن التحليل مرهق. وأحيانا يكون غضبا أيديولوجيا خالصا، لأن الأصالة والمعاصرة لم يزاحم خصومه على المقاعد فقط، بل أربك الاتجاه الذي كانوا يريدونه للمغرب. اتجاه يظل مشدودا إلى مرجعيات خارجية، بدل أن يثبت قدمه في مرجعية وطنية صريحة تعتبر المغرب مرجع نفسه.

ولكي نفهم لماذا ظهر الحزب أصلا، علينا الرجوع إلى ما قبل 2008. ليس طلبا لبراءة ولا تزيينا للصورة، بل لفهم لحظة كانت فيها توازنات السياسة قابلة للاهتزاز، وكانت ثغرة الوساطة تتسع بهدوء.

من عاش تلك السنوات عن قرب يتذكر أن المشكلة لم تكن في كثرة الأحزاب ولا في حضورها الشكلي. اللوائح ممتلئة، المقرات مفتوحة، والبيانات لا تنقطع. ومع ذلك كانت الوساطة تضعف خطوة بعد خطوة. المواطن صار يشعر أن السياسة لا تمسه، وأن صوته لا يغيّر الكثير في المدرسة ولا في المستشفى ولا في فرص الشغل ولا في العدالة المجالية.

الحياة اليومية تمضي في اتجاه، وخطاب الأحزاب يمشي في اتجاه آخر. وكان الانفصال يتعمق.
ثم جاءت انتخابات 2007 لتضع هذا الواقع أمام الجميع. نسبة المشاركة المتدنية لم تكن رقما محايدا، كانت علامة فتور وفقدان ثقة. وعندما يبرد المزاج السياسي، لا ينتصر صاحب البلاغة والشعارات بالضرورة.

ينتصر من يملك تنظيما أكثر تماسكًا وخطابا بسيطا سريع الانتشار. في تلك المرحلة تقدم الإسلام السياسي بثبات، مستفيدا من إنهاك أحزاب تاريخية خرجت من تجربة التناوب أقل توهجا وأكثر تعبا، ومن ترهل تنظيمات أخرى عاشت على نفوذ محلي ومصالح انتخابية أكثر مما عاشت على مشروع وطني جامع.

ولم يكن الأمر تنظيميا فقط. كانت هناك أيضا مشكلة في البوصلة. جزء من الخطاب الحزبي ظل مشدودا إلى خارج التربة المغربية. مرة بلغة قومية اقصائية تستعيد قاموسا قديما كأن الزمن توقف. ومرة بمنطق إسلام سياسي يأتي من منظومات جاهزة ويدعو المغرب لأن يذوب في قالب أوسع من المغرب نفسه. وحتى تيارات تصف نفسها بالوطنية كانت أحيانا تشتغل بمفاهيم مستعارة، لا تشبه دائما تركيب البلد ولا أسئلته الحقيقية.

في الوقت نفسه كانت الدولة تتحرك في اتجاه مختلف. لم تكن هيئة الإنصاف والمصالحة مجرد طيّ صفحة، بل إعادة ترتيب للعلاقة مع الذاكرة ومع معنى الكرامة داخل السياسة. وجاء مشروع الخمسينية ليضع التشخيص ويقترح الأفق، ثم أتت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كترجمة ميدانية لهذا النفس، إلى جانب توسّع هامش الحريات وتقدّم الاعتراف بالأمازيغية باعتبارها اساسا لبناء الدولة الحديثة. كان هناك نفس جديد يتشكل بهدوء، وسردية وطنية تقول إن المغرب لا يحتاج أن يستعير صورته من أحد.

غير أن أحزابا كثيرة لم تلتحق بهذا التحول بالسرعة المطلوبة، أو التحقت به بحذر زائد. والأشد إيلاما أنها لم تفهم أن المصالحة مع الماضي ليست مسألة رمزية، بل تحتاج أيضا إلى إنصاف سياسي. مناطق بكاملها عاشت طويلا شعورا بأن السياسة تمر بعيدا منها لا معها. الريف، الجنوب، الجنوب الشرقي، أطراف الأطلس، وأحياء الهامش في المدن الكبرى. كانت نخب هذه المجالات تستدعى أحيانا إلى الواجهة، ثم تُعاد بسرعة إلى موقع التابع، وكأن حضورها مجرد توازن شكلي.

داخل هذا السياق يصبح ظهور الأصالة والمعاصرة مفهوما. حين تضعف الوساطة يبرز طلب على وسيط جديد. ليس لأن السياسة تبحث عن ملائكة، بل لأن الفراغ لا يبقى مفتوحا طويلا. ثم إن تلك اللحظة لم تكن تسمح بالترف.

كانت مرحلة توازنات دقيقة، والمغرب كان مطالبا بحماية انتقاله الهادئ من استقطاب حاد ابتلع دولا أخرى. لذلك لم تكن النشأة رقما يضاف إلى لائحة الأحزاب، بل محاولة لتفادي اختلال ميزان وإنتاج قطب قادر على الاشتغال داخل النسق بدل ترك الساحة تميل نحو جهة واحدة في لحظة تعب عام.

وجاء الحزب وهو يرفع فكرة بسيطة ومزعجة في آن واحد. المرجعية هنا، في المغرب نفسه. في تاريخ دولة قديمة، وفي تعدد لغوي وثقافي، وفي اعتدال ديني، وفي طريقة خاصة لتدبير العلاقة بين الدين والدولة. سميت هذه الفكرة “تامغرابيت”.

قد يراها البعض شعارا، لكنها في جوهرها كانت محاولة لتثبيت أن الهوية ليست ملفا ثانويا، وأن الدولة الوطنية لا تحميها القوانين وحدها، بل يثبتها أيضا شعور الناس بأن هذا البلد لهم جميعا.

ومن هنا يأتي حديث الإنصاف، لا كشعار بل كشرط أخلاقي. تامغرابيت ليست فكرة معلقة في الهواء. هي ذاكرة مناطق وناس دفعوا ثمن التهميش طويلا. وهي أيضا جروح سنوات الرصاص التي لا يليق بمشروع حداثي أن يضعها في الهامش. لا أحد يحتكر الضحايا ولا يملك حق المتاجرة بهم. لكن من يرفع شعار الحداثة ثم يبتعد عن الجرح يفقد الكثير من صدقيته قبل أن يفقد الأصوات. كرامة الناس لا تُدار بالبلاغة.

وبهذا الفهم جاءت المواجهة مع الإخوانية. لم تكن بحثا عن خصم للعرض، بل دفاعا عن مرجعية الدولة الوطنية. الإخوانية ليست فقط منافسا انتخابيا، بل تصور لمصدر الشرعية يعمل بمنطق عابر للحدود، ويطلب من المجتمعات أن تعيد ترتيب نفسها وفق ولاء أيديولوجي يتقدم على الولاء للوطن. في مجتمع مثل المغرب، بخصوصيته الدينية ومؤسساته وذاكرته السياسية، يصبح الاحتكاك شبه حتمي. الطريقان لا يلتقيان بسهولة.

ولهذا يبدو ناقصا تقديم الأمر كاختيار مزاجي لحزب. كان المغرب أمام سؤال ثقيل. هل يترك المجال لخطاب عابر للحدود يتمدد داخل السياسة اليومية بما قد يربك توازنات الدولة الوطنية، أم يصنع توازنا يمنع الانفراد بالمشهد في لحظة ضعف عام؟ وتجارب المنطقة قريبة منا. رأينا كيف يبدأ الأمر بوعود خلاص كبيرة ثم ينتهي بكلفة لا تحتمل.

إلى هنا قد يبدو الكلام دفاعا. وأنا أول من يخاف أن يتحول هذا الدفاع إلى ذريعة للهروب من النقد. لذلك أقولها بلا تردد. هذا نص من الداخل. بلا زينة.

ما يقلقني اليوم أكثر من حملات الخصوم هو خطر أن نصير حزبا بسرعتين. مركز يستهلك الزمن في الحسابات والتموقع، وجهات تشتغل بصمت وتواجه الأسئلة القاسية في الميدان. ثم يعود الفاعلون الميدانيون ليجدوا أن صوتهم لا يصل كما ينبغي، وأن الميدان يُستدعى موسميا، وأن اللغة لا تتجدد بالقدر الذي يقنع جيلا فقد الثقة في كل شيء. هذا الشرخ إن ترسخ يقتل أي حزب من الداخل، لأنه يحول التنظيم إلى واجهة بدل أن يكون بيتا مشتركا.

والأخطر أن نفقد تدريجيا موقعنا كحزب ضرورة، فنغدو مجرد رقم يُضاف إلى بقية الأحزاب. يحدث هذا حين تلاحظ القواعد، ويُسجل الرأي العام، أن نخب المغرب العميق تُبعد أو تُغيب، وأن الجهات تُستحضر عند الحاجة ثم تُركن من جديد.

عندها لا يعود السؤال مقعدا نربحه أو نخسره، بل فكرةً نحافظ عليها أو نفرّط فيها. لأن حزبا وُلد ليملأ فراغا لا يحق له أن يتحول إلى جزء من ذلك الفراغ.

ثم هناك أخطاء لا يجوز القفز فوقها. تساهلنا أحيانا مع سلوكات لا تشبه الروح التي تأسس بها الحزب. فتحنا الباب لأسماء حملت معها مشاكلها بدل أن تحمل المشروع. وملف الترحال السياسي ظل نقطة ضعف موجعة. قد يكون مرضا عاما في الحقل الحزبي، لكن حزبا يقدم نفسه كقطب حداثي لا يملك ترف التساهل. الناس لا تسامح الحداثي حيث تسامح غيره. أبدا.

وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به. نعم، ما تزال الثغرة قائمة في جوانب كثيرة. تظهر في أزمة تجديد الأحزاب، وضعف الوساطة مع الشباب، وهشاشة الثقة، وقابلية الساحة لأن تميل كلما تعب الوسط. لذلك لا يكفي أن نقول إن الحزب موجود.

المطلوب أن يستعيد دوره كما ينبغي، وأن يثبت كل يوم أن وجوده كان له مبرر وله وظيفة.
والأهم أن هذا الحزب، في وعي كثير من مناضليه ومتعاطفيه، ليس مجرد ماكينة انتخابية. البام يمكن أن يكون أكبر من حزب عندما يكون وفيا لمشروعه التأسيسي. عنوان لمغرب حديث، مرجعيته وطنية، هويته جامعة، دولته الوطنية خط أحمر، وحداثته مرتبطة بالإنصاف لا بالشعارات. وهذا يفرض عليه أن يجدد التزامه بالفعل لا بالكلام.

إعادة الاعتبار للميدان، فتح الطريق أمام كفاءات الجهات، جعل النزاهة قاعدة ومبدأ، وإيقاف كل ما يسيء لصورة حزب رفع سقف التوقعات.

لهذا، حين يهاجمنا الخصوم بسؤال النشأة، لا أرى الرد الحقيقي في الغضب ولا في الإنكار. الرد أن ننقل النقاش إلى مكانه الطبيعي. نعم، النشأة جزء من التاريخ وستظل محل جدل.

لكن ما يحسم اليوم هو ما نفعله
الآن. هل نعيد بناء الثقة مع المجتمع أم نكرر نفس المسافة القديمة؟ هل نحمي المرجعية الوطنية أم نترك شقوقا يعود منها منطق الولاءات العابرة للحدود؟ هل نجعل تامغرابيت ممارسة يومية أم نتركها لافتة جميلة لا تغيّر شيئا؟
المغرب يدخل سنوات دقيقة، وفي الأفق رهانات كبرى. في مثل هذه اللحظات لا يكفي سؤال المقاعد. السؤال الذي يهم الناس بسيط وصعب في الوقت نفسه. من يقدر أن يحمي هذا البلد وهو يتغير، وأن يدفعه إلى الأمام دون أن يقتلع جذوره؟ هنا يُطرح على الأصالة والمعاصرة امتحانه الأصعب، امتحان الاستمرار. هل نملك شجاعة رص الصفوف وكسر منطق حزب السرعتين قبل أن يتحول إلى قدر؟ هل نستطيع أن نجدد أنفسنا ونحمي الفكرة من التآكل، لا بالحنين إلى البدايات، بل بالعودة إلى روحها؟

الخصوم سيواصلون ترديد أسطوانة النشأة. سيفعلون. هذا متوقع. لكن الناس لا تحسم بالادعاءات وحدها. تنظر لما يقع الآن. تنظر للصدق، للنزاهة، للقرب من الميدان، للوفاء للمبادئ، وللشجاعة في حماية خيار مغربي واضح. ومن يثبت أنه يحمي الوطن ويطوره هو من يربح الشرعية، حتى لو ظل الجدل قائما حول الصفحة الأولى من القصة.

 

رشيد بوهدوز،

رئيس اللجنة الأمازيغية بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.