حزب الأصالة والمعاصرة وضرورته في التاريخ السياسي المغربي

0 741

إن قراءة حضور حزب الأصالة والمعاصرة في المشهد السياسي المغربي لا يمكن أن تتم بمنطق الظرفية أو الانفعال، بل تفرض نفسها ضمن تحليل أعمق لمسار الدولة المغربية الحديثة، وتحولاتها السياسية والمؤسساتية، وسعيها الدائم إلى بناء توازن حزبي قادر على استيعاب التنوع المجتمعي وضمان الاستقرار مع الإصلاح.

فالحزب لم يكن وليد الصدفة، ولا مجرد إضافة عددية إلى الخارطة الحزبية، بل جاء استجابة لحاجة تاريخية فرضتها لحظة سياسية دقيقة، كان فيها العمل الحزبي مهددا بالجمود، ومحصورا بين خطابات مستهلكة وممارسات فقدت قدرتها على الإقناع والتجديد.

لقد جاء حزب الأصالة والمعاصرة ليعيد الاعتبار للفعل السياسي باعتباره ممارسة مسؤولة، مرتبطة بالواقع، وبقضايا الدولة والمجتمع، لا بالشعارات الإيديولوجية المغلقة ولا بالمزايدات التي تعيق البناء الديمقراطي.

ومنذ بداياته، انخرط الحزب في معركة إعادة التوازن داخل الحقل السياسي، عبر طرح أسئلة جوهرية حول معنى الالتزام الحزبي، وحدود الخطاب السياسي، وأولوية التنمية والعدالة المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات المنتخبة.

إن أهمية الحزب لا تكمن فقط في حضوره التنظيمي أو الانتخابي، بل في كونه أسهم في كسر رتابة المشهد السياسي، وفتح المجال أمام نخب جديدة، ومنح السياسة نفسا واقعيا يتقاطع مع انتظارات المواطن المغربي.

فقد أعاد الحزب النقاش من السماء الإيديولوجية إلى الأرض الاجتماعية، وربط السياسة بالإدارة الترابية، وبالتنمية المحلية، وبالجهوية المتقدمة، وبإشكالات الحكامة والنجاعة، وهي ملفات شكلت دائما جوهر الإصلاح السياسي في المغرب.

هذا الحضور، بطبيعة الحال، لم يكن مريحا لكل الفاعلين، فكل تجربة سياسية تسعى إلى التحديث وإعادة ترتيب التوازنات تثير قلق من اعتادوا الاشتغال داخل منطق الجمود أو الاستفادة من اختلالات المشهد الحزبي.

ولذلك، فإن “الإزعاج” الذي يسببه حزب الأصالة والمعاصرة لمنافسيه لا يرتبط بما يقال عنه، بقدر ما يرتبط بما يمثله: حزبا يشتغل بمنطق الدولة، ويؤمن بالإصلاح من داخل المؤسسات، ويرفض تحويل السياسة إلى صراع هوياتي أو منصة للخطاب الانفعالي.

لقد وجد عدد من المنافسين، ممن فشلوا في بناء مشاريع سياسية مقنعة، في استهداف الحزب وسيلة سهلة لتغطية أعطابهم التنظيمية وعجزهم عن مواكبة التحولات المجتمعية.

فبدل مراجعة الذات وتطوير الخطاب والممارسة، اختاروا منطق التشكيك والتخوين السياسي، غير مدركين أن الزمن السياسي لا يعود إلى الوراء، وأن المجتمع المغربي تجاوز مرحلة الشعبوية السياسية، وأصبح أكثر وعيا بحقيقة الأداء الحزبي.

وفي هذا السياق العام، يكتسي حضور السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بعدا خاصا داخل التجربة السياسية المغربية؛ فقيادتها لحزب وازن لا تمثل فقط نجاحا تنظيميا، بل تعكس تحولا نوعيا في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية.

إنه حضور يؤسس لتميز مغربي خالص، يجعل من المرأة فاعلا سياسيا كاملا، لا موضوعا خطابيا أو الاستعمال الظرفي.

لقد جسدت فاطمة الزهراء المنصوري نموذجا سياسيا متوازنا، يجمع بين الكفاءة التدبيرية، والشرعية السياسية، والقدرة على التفاوض داخل المؤسسات، دون السقوط في منطق الصدام أو الشعبوية، وهو ما جعل تجربتها تثير ارتباكا حقيقيا لدى عدد من المنافسين الذين ما زالوا أسرى تصورات تقليدية لدور المرأة في السياسة، أو غير قادرين على تقبل نجاح نموذج نسائي يقود حزبا ويشارك في تدبير الشأن العام بثقة ومسؤولية.

إن نجاح هذا النموذج لا يربك لأنه استثنائي، بل لأنه طبيعي، ولأنه يعكس نضج التجربة السياسية المغربية، التي اختارت منذ سنوات ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتوسيع قاعدة المشاركة، وربط القيادة السياسية بالكفاءة لا بالنوع الاجتماعي، وهذا في حد ذاته إنجاز سياسي لا يمكن القفز عليه أو التقليل من رمزيته.

إن حزب الأصالة والمعاصرة، في جوهر مشروعه، لا يضع نفسه في موقع العداء مع أي فاعل سياسي، بل يتموقع داخل منطق التنافس الديمقراطي المشروع، حيث الاختلاف قوة، والتعدد غنى، والتوازن ضرورة.

وهو حزب يسهم، بما له وما عليه، في ترسيخ نموذج مغربي خاص في الممارسة السياسية، يقوم على الاستقرار، والإصلاح المتدرج، والتحديث من داخل المؤسسات، لا على المغامرة أو القطيعة.

ولهذا كله، فإن وجود حزب الأصالة والمعاصرة لم يكن خيارا عابرا، بل ضرورة تاريخية فرضها مسار الدولة والمجتمع، وسيظل كذلك ما دام يسهم في إغناء التعددية الحزبية، وتعزيز الثقة في العمل السياسي، والدفاع عن مغرب متوازن، حديث، ومتجذر في مؤسساته وتاريخه.

وفي هذا العمق بالذات، يكمن سبب الإزعاج الذي يشعر به بعض المنافسين، لأن السياسة، في نهاية المطاف، هي مرآة للقدرة على التجدد، لا للاختباء خلف الشعارات.

بقلم: رضوان لحميدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.