حين يختار المواطن… تتقدم التنمية
في سياق التحولات السياسية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب، لم يعد النقاش حول المشاركة السياسية ترفا فكريا أو خطابا مناسباتيا، بل أصبح سؤالا مركزيا يرتبط بجوهر مشروع التنمية ذاته. فالتغيير لا يصنع خارج المؤسسات، ولا يتحقق بمنطق الانتظار أو الاحتجاج السلبي، وإنما يتأسس على فعل المواطنة الواعية التي تجد ترجمتها العملية في الانخراط السياسي، وعلى رأسه التسجيل في اللوائح الانتخابية باعتباره المدخل الأول لممارسة الحق الدستوري في الاختيار والمساءلة.
إن المشاركة السياسية ليست مجرد عملية تصويت موسمية، بل هي تعبير عن انتماء فعلي إلى الجماعة الوطنية، وإقرار بالمسؤولية المشتركة في صياغة القرار العمومي. فحين يعزف المواطن عن التسجيل في اللوائح الانتخابية، فإنه لا ينسحب فقط من عملية انتخابية، بل ينسحب رمزيا من دائرة التأثير في السياسات العمومية التي تمس تعليمه وصحته وتشغيله وفضاءه الترابي. بذلك يتحول العزوف إلى موقف سلبي يضعف دينامية الإصلاح، ويترك المجال مفتوحا أمام اختلالات كان بالإمكان تصحيحها عبر صناديق الاقتراع.
لقد راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة أوراشا كبرى في البنيات التحتية، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، والجهوية المتقدمة. غير أن استدامة هذه الأوراش رهينة بوجود مواطن فاعل، يواكب، ويسائل، ويقترح، ويختار ممثليه على أساس البرامج والكفاءة. فالتنمية ليست مجرد مشاريع تنجز، بل هي قبل كل شيء تعاقد سياسي وأخلاقي بين الدولة والمجتمع، قوامه الثقة والمشاركة والرقابة الديمقراطية.
التسجيل في اللوائح الانتخابية ليس إجراء تقنيا بسيطا، بل هو فعل سياسي بامتياز. إنه إعلان إرادة في التأثير، ورسالة مفادها أن المواطن لا يرضى بأن يكون متفرجا على مسار وطنه. ومن هذا المنطلق، فإن عدم التسجيل لا يمكن اعتباره حيادا، بل هو في كثير من الأحيان مساهمة غير مباشرة في إضعاف منسوب المشاركة، وبالتالي في إبطاء وتيرة الإصلاح. فحين تنخفض نسب التسجيل والمشاركة، تضيق قاعدة الشرعية التمثيلية، ويصبح القرار العمومي أقل تعبيرا عن التنوع المجتمعي الحقيقي.
إن التغيير الذي ينشده المغاربة لا يمكن أن يتحقق خارج المؤسسات المنتخبة، ولا عبر مقاطعة العملية السياسية، بل من داخلها وعبرها. فصندوق الاقتراع هو الآلية السلمية والحضارية لتداول الأفكار والبرامج، ولتصحيح الاختلالات. وكل مواطن غير مسجل يفوت على نفسه فرصة التأثير، ويفتح المجال لآخرين ليحسموا خيارات قد لا تعكس تطلعاته.
المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار لفكرة المواطنة الفاعلة، التي تربط بين الحق والواجب، بين المطالبة بالخدمات العمومية والانخراط في آليات إنتاج القرار. فالتنمية مسؤولية جماعية، لا يمكن اختزالها في الدولة وحدها، كما لا يمكن بناؤها بمجتمع منسحب أو متردد. إن التسجيل في اللوائح الانتخابية هو الخطوة الأولى في مسار طويل من الترافع والمساءلة والمشاركة.
من هنا، فإن الدعوة إلى التسجيل ليست مجرد تعبئة ظرفية، بل هي دعوة إلى الوعي بدور الفرد في صناعة المستقبل. فالمغرب الذي يراكم إنجازاته في محيط إقليمي ودولي متقلب، يحتاج إلى مواطنين يدركون أن الامتناع ليس موقفا محايدا، وأن الصمت الانتخابي قد يتحول إلى عائق موضوعي أمام تعميق الإصلاحات.
إن المشاركة السياسية، وفي قلبها التسجيل في اللوائح الانتخابية، تظل المدخل الأساس لأي تغيير حقيقي وتنمية مستدامة. فمن أراد أن يكون جزءا من الحل، عليه أن يبدأ بأبسط الخطوات: أن يسجل، أن يختار، أن يراقب، وأن يظل فاعلا في الشأن العام. هكذا فقط تتحول المواطنة من شعار إلى ممارسة، ومن انتظار إلى صناعة فعلية لمستقبل الوطن.
عزالدين إزيان