أسئلة السلوك السياسي لمحترفي السياسة

0 300

 بقلم جمال مكماني  عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة

إن استحضار موضوع أهمية العمل على مصالحة المواطنين مع الممارسة السياسية الحزبية ببلادنا، قد أصبح ضرورة ملحة، بل انه يعتبر إحدى المهام الأساسية الملقاة اليوم على عاتق الأحزاب. لقد قلت مصالحة المواطن مع الممارسة السياسية الحزبية ولم أقل السياسة بمعناها العام؛ وذلك راجع بالأساس إلى كون المواطن يمارس السياسة ويخاصم الأحزاب. ولعله من بين المؤشرات الدالة على ذلك التفاعل اليومي للمواطن مع السياسيات العمومية ببلادنا، كما نتابع من داخل المنتديات الاجتماعية ( الفيسبوك مثلا)، فجميع تجارب المجتمعات التي أحرزت تقدما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، قد أولت لعملية المشاركة السياسية الواسعة للمواطنين أهمية بالغة. إن جزء كبيرا من المواطنين نعتبره لا يهتم بالسياسة ولكن له تأثير فعال في صناعة الرأي العام، فبالرغم من أنه لا يمكن أن نعتبر كل المواطنين سياسيين، لكن بالإمكان اعتبار المواطن سياسيا لما يتحدث ويعبر عن المشترك داخل المجتمع. فصحيح أن تشجيع الإقبال على الحياة الخاصة وتعزيز ثقافة الاستهلاك وهيمنة النزعة الأبوية للحكومة بالترويج لخطاب الرعاية الاجتماعية، قد ساهم بشكل كبير في توسيع الهوة بين المواطن والاهتمام بالمجال العمومي، وجعل من السياسة حكرا على محترفي السياسة والنخب التكنوقراطية، إلا أن “النقاش العمومي” الذي وفرته الوسائط الاجتماعية، قد ألزم المواطنين بالتفكير في تجاربهم وطموحاتهم ومقارنتها بتجارب وطموحات الآخرين، كما أن هذا النقاش الجماعي قد حرر المواطن من شرنقة التوجيه والتحكم في الشعور الجمعي. وبدأ يساهم تدريجيا بتشكل الإرادة الجماعية التي تحولت إلى ضغط مستمر على أجهزة الدولة القانونية والسياسية. فالعداء المتصاعد اليوم اتجاه السياسة والسياسيين، ليس موجها اتجاه الممارسة السياسة في حد ذاتها- فالمواطن يعي جيدا أننا لا يمكن أن نعيش داخل مجتمع إنساني بدون ممارسة سياسية- ولكنه موجه ضد فئة محترفي السياسة التي هيمنت على المجال السياسي وجعلته حكرا لها، وما عدم مبادرتها إلى تهييء شروط المشاركة السياسية الواسعة للمواطنين إلا خير دليل على رغبتها في الحفاظ على هذا المجال لها لوحدها دون غيرها.

إن الدور المتنامي للحركات الاحتجاجية ولالتزامات المواطنين بتتبع السياسات العمومية، هو إشارة إلى إرادة التحرر من قبضة محترفي السياسة والنخب التكنوقراطية، وهو ما يؤشر على انبثاق فهم جديد للرابطة الاجتماعية، قائم على أساس تعميق وتوسيع مقاربات التنظيم الذاتي. وهذا الفهم الجديد للرابطة الاجتماعية، المنبثق ذاتيا، والذي ساهمت فيه بشكل كبير مسلكيات محترفي السياسة، سوف يدفع المواطنين إلى التفكير في الأشكال التنظيمية التي سوف يعتبرونها معبرا حقيقيا عن ألامهم وأمالهم، انطلاق من ذواتهم وليس انطلاقا من سلطات خارجية. وبطبيعة الحال، فان الأمر لا يتعلق سوى بنزوع جماعي نحو التنظيم الذاتي كإجابة موضوعية عن واقع مقلق ميزته الأساسية فقدان الثقة، وبهذا المعنى سوف لن يبقى المواطن محروما من المشاركة في بلورة القرار السياسي.

إن غياب ثقافة البراكسيس في برامج الحكومة الحالية، للتجاوب مع متطلبات المواطنين الآنية والغير القابلة للتأجيل، وحصر نفسها في القيام بمهام تقنية فقط، سوف يؤسس هو الأخر لفهم جنيني لحرية المواطن، فهم مغاير لسابقه من حيث الدفاع عن استقلاليته اتجاه الإكراه والقدرة عن اتخاذ القرار الذاتي بشكل مستقل.

لقد أن الأوان، لمبادرة محترفي السياسة إلى طرح سؤال ما الذي يحدث الآن؟ وكيف يمكن فهمه ومنحه المعنى؟ وما الذي ينبغي رميه من مسلكيات في سلة المهملات وبقايا الماضي؟ وما هي الأدوات الفكرية الكفيلة بالحفر تحت الأشياء والمؤسسات لتبيان حقيقة تمثلها لدى المواطنين؟