إشكالات التباس مفهوم الفن في التفاعل العمومي..

0 316

بقلم: عبد السلام شركوك- عضو المجلس الوطني للبام

حينما نبحث عن مفهوم الفن بشكل عام نجد الشائع في القول، أنه عبارة عن مجموعة متنوعة من الأنشطة التي تتمثل في إنشاء أعمال بصرية أو سمعية أو حركية، للتعبير عن أفكار صاحبها، وعلى الرغم من أن تعريف الفن يشكل موضوع خلافياً غير متفق عليه بين مختلف الأطياف الفكرية والمجتمعات الإنسانية، بل ويتغير مع أنساق التطور الحضاري ومتطلبات العصور التاريخية، فإن الأوصاف العامة للفن عموماً تشير إلى أن ماهيته تتحدد في الفكرة المعبرة عن مهارة إبداعية أو تقنية ناشئة تلقى تفاعلا لدى فئات مجتمعية.

ولا شك أن التعريفات الفضفاضة للفن قد تجعل من التباس مفهومه أمر عادي لدى عامة الناس.

ولعل الالتباس قد يعود إلى تعدد زوايا مقاربة الفن من ناقديه، وهذا أمر طبيعي، وقد يعود كذلك (بسوء نية مبيتة) إلى اختلاف أهداف مقاربيه وإلى منافع ترجى من وراء فرض فُهوم بعينها.

ومبعث هذا المقال، حالة اللغظ التي صاحبت سلوك بعض الفنانين في مهرجان الرباط بمناسبة اختيارها عاصمة الثقافة الإفريقية، وما صاحب كذلك مهرجان “البولفار” (مهرجان الشارع) من حوادث مؤسفة بسبب حالة الهيجان التفاعلي التي يخلقها أغلب فناني الأنواع الموسيقية الخاصة بالمهرجان (راب، ميطال، روك ..)، فلولا عناية الله وجهود العناصر الأمنية لخرجت الأمور لما لا نحمد عقباها.

المشترك في حالتي الرباط والدار البيضاء، أن النوع الموسيقي الذي أثار كثرة هذا الكلام، هو فن “الراب”، هذا الصنف من الموسيقى ظهر في المغرب في أواخر التسعينات لكنه لم يلق نصيبه من الإقبال والانتشار حتى الألفية الجديدة، إلى أن أصبحت الآن موسيقى الراب بشكلها المغربي واحدة من عناصر الثقافة المغربية المعاصرة لدى الجيل الحالي والأجيال الصاعدة.

ويهتم رواد هذا النمط الفني بمعالجة مواضيع تنتقد الوضع السياسي والمجتمعي، بلغة حادة وبكلمات ومصطلحات مباشرة وجريئة وبذيئة أحيانا، مما قد يخدش الحياء العام كما تحدده قيم المجتمع المغربي، فخاصية هذا اللون الموسيقي أنه لا يعطي أي اعتبار للكلمة إن كانت صريحة ما دامت تعبر عن حقيقة أو وضع قائم، إذ جزء كبير من الأغاني لا يتكلم إلا عن المخدرات والهشاشة الاجتماعية وجميع أنواع الانحرافات الأخلاقية، لكن ماذا لو كانت هذه هي الحقيقة؟ هذا النوع الموسيقى خاصيته أنه يقول ما لا يمكن قوله في صنوف موسيقية أخرى، فضلا عن روادها، الذين يخلقون لأنفسهم مساحات في الرأي قد تجعل منهم أحيانا في موقف خلاف مع القانون.

قد ينظر البعض إلى كل هذا على أنه زيغ وانحراف، وجب معه على القطاعات الحكومية الوصية على الفن والثقافة التدخل من أجل ضبط سلوكيات رواد هذا النمط الموسيقي في المهرجانات التي تحظى بالدعم العمومي، وظني أن هذا الكلام “شعبوي” خارج عن منطق الأشياء مرده الحسابات “السياسوية” الضيقة لا غير، فكيف يستوعب مثل هذه الترهات؟ فهل لقطاع الثقافة مثلا صلاحيات ضبطية وقضائية تخول له سلطة الرقابة على ما يخرج من أفواه الفنانين في المسارح والندوات؟
فبعد جمود حقيقي عرفته المهرجانات بسبب جائحة كورونا، كان ولابد من إعادة إحياءها، خاصة تلك التي تستقطب مئات الآلاف من الجماهير الشعبية في ربوع الوطن، وهذا لعمري يحسب لوزارة الثقافة في عهد وزيرها السيد محمد المهدي بنسعيد الذي لم يدخر جهدا في توفير كل الوسائل المادية والتقنية لإنجاح التظاهرات الفنية، وبه وفى وكفى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.