التغطية الإجتماعية وإشكالية المأسسة

0 627

جمال هاشم

لعل في كل نقمة نعمة، يصدق هذا على جائحة كوفيد التي قلبت موازين العالم منذ أكثر من سنة ، وأربكت كل الدول، لكنها لقنت الجميع دروسا عميقة وتركت عدة نقط استفهام بعضها فلسفي وأغلبها علمي واقتصادي واجتماعي ، وقادت إلى إعادة النظر في مفاهيم التطور وسيطرة الإنسان على الطبيعة والعلاقات الدولية والدول العظمى …..هذه التساؤلات والمراجعات هي ذلك الوجه الإيجابي الذي أعاد الإنسان إلى حجمه الطبيعي أمام فيروس غير مرئي.

لقد كانت آثار الجائحة كارثية على الصحة العامة وعلى اقتصادات الدول والمبادلات التجارية والتنقلات…..إلا أنها ساهمت في تسريع البحث العلمي وتطوير البنيات الصحية وأنظمة الدعم والحماية الإجتماعية.

وقد استخلصنا كمغاربة عدة دروس للمستقبل ، فرغم العمل الإستباقي المنظم ومجهودات الدولة في مجالات المواجهة والتضامن والدعم وتدبير التلقيح ……إلا أن هشاشة اقتصادنا كشفت ذلك الوجه الخفي لاقتصاد أقله مهيكل وأغلبه غير مهيكل يشتغل في سراديب يعلمها الجميع وتسمى اصطلاحا سرية….وإذا أضفنا حجم التهريب الذي كان يهم عدة مناطق في الشمال والجنوب فإنه بإمكاننا تصور حجم خسائر مداخيل الدولة الضريبية والمنافسة غير الشريفة للإقتصاد المنظم.

ولعل ما أفرزته الجائحة بعد توقف النشاط الإقتصادي ، ضعف التغطية الإجتماعية على الصعيد الوطني، وقلة العمال المسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فكان ذلك بمثابة صورة سكانير وضعتنا أمام حقيقتنا خاصة بعد اضطرار الدولة إلى تخصيص دعم استثنائي للعاملين بالقطاع غير المهيكل من الصندوق التضامني الخاص بالجائحة عكس العمال المسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذين تكلف بهم الصندوق. لقد تمثلت الصعوبة الأساسية في حصر الأنشطة العشوائية ومختلف القطاعات غير المهيكلة وتصنيفها…. فكانت الجائحة بذلك بمثابة ناقوس خطر دفع الطبقة السياسية إلى التساؤل حول هذه القنابل الموقوتة التي تهدد السلم الاجتماعي واستقرار البلد ، لأن بناء مغرب الغد لا يمكن أن يتم بنسيج إقتصادي واجتماعي عشوائي يضيع على الدولة ملايير الدراهم ولا يضمن أي استقرار.

إن قوة الدول تبنى بقوة هيكلة اقتصادها ومدى تطور نظام الحماية الإجتماعية بها والتحكم بمداخيلها الضريبية للقضاء على ازدواجية قطاعها الإقتصادي (معلن وسري) وتحقيق نوع من العدالة بين الفاعلين الإقتصاديين.

هذا ما نبه إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش شهر يوليوزالماضي وأكد عليه في خطاب افتتاح الدورة التشريعية شهر أكتوبر الماضي ،حين دعا لتعميم التغطية الصحية لجميع المواطنين وإعادة النظر في منظومة الحماية الإجتماعية المطبوعة بالتشتت والتي تتطلب إصلاحا حقيقيا واعتبر جلالته أن تعميم التغطية الإجتماعية يعتبر رافعة لإدماج القطاع غير المهيكل. وحدد أجندة لتعميم التغطية الإجتماعية تمتد على خمس سنوات ليشمل في النهاية التعويضات العائلية والتقاعد والتعويض عن فقدان العمل.
إن تاريخ إقرار أنظمة الحماية الإجتماعية مرتبط بتاريخ تحرير الطبقة العاملة من نير الإستغلال الرأسمالي في المجتمعات الصناعية الحديثة ابتداء من القرن التاسع عشرولعبت النضالات النقابية دورا أساسيا في تحسين شروط العمل وانتزاع مكاسب الحماية الإجتماعية. وكان المستشار الألماني بيسمارك صاحب أول مشروع للتأمين الإجتماعي أواخر القرن التاسع عشر (تأمين المرض والشيخوخة) من خلال نظام مساهمات الأجراء والمشغلين وسيتم تعميم هذا النموذج تدريجيا على مختلف الدول الأوروبية خلال النصف الأول من القرن العشرين.

أما الإقتصادي الإنجليزي بيفيريدج لقد قدم تقريرا خلال أربعينيات القرن الماضي طور فيه مفهوم الحماية الإجتماعية واعتبرها سياسة عامة لمحاربة الفقر وتغطية ضرورية لجميع المواطنين دون اشتراط المساهمات ودافع على نظام حماية ممول من مداخيل الضرائب.وقد تطورت أنظمة الحماية الإجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية في مجمل الدول الصناعية وارتبطت بثروة كل دولة ومستوى ناتجها الداخلي الخام ، فكلما تطور إنتاج الثروة وتوسع الوعاء الضريبي توسعت مجالات الحماية الإجتماعية واتجهنا نحو مجتمع الرفاه كما هو الشأن في دول شمال أوروبا. ونقلت الدول الصناعية نماذج مؤسسات الحماية الإجتماعية إلى الدول المستعمرة، وأنشأت فرنسا مؤسسات للحماية الإجتماعية في المغرب قبل الإستقلال قبل تأسيس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سنة 1959 كمؤسسة عمومية للسهر على الحماية الإجتماعية للعاملين بالقطاع الخاص ، قبل أن يتوسع تدريجيا ليشمل العديد من الفئات.

هكذا انتقلت الحماية الإجتماعية تاريخيا من مجال تضامني غير مهيكل قريب إلى العمل التضامني والخيري إلى حق منظم باعتبار مجالات الحماية الإجتماعية حقوقا أساسية للمواطنين تضمنها الدولة عبر مؤسسات منظمة ووفق اتفاقات صادق عليها المنتظم الدولي وليست مجرد عمل إحساني موسمي مرتبط بأزمات وظروف إستثنائية كما حصل مع الجائحة ، لهذا انتبه الخطاب الملكي لهذا النقص المرتبط بهشاشة نسيجناالإقتصادي وضعف تنظيمه وطرح برنامج عمل للحكومة المقبلة لتنزيله بالموازاة مع تنزيل النموذج التنموي الجديد في أفق بناء الدولة الإجتماعية المتضامنة والمهيكلة لضمان الإستقرار والتوزيع العادل للثروات.

وقد تقدمت الحكومة بمشروع قانون الحماية الإجتماعية لتنزيل التوجيهات الملكية وصادق عليه البرلمان بغرفتيه وإن كان صخب الصراع حول القاسم الإنتخابي قد غطى على أهمية هذا القانون الإجتماعي الهام،وسيبدأ بتعميم التغطية الصحية الإجبارية سنتي 2021-2022 ثم تعميم التعويضات العائلية خلال سنتي 2023-2024 وتوسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد سنة 2025 وسيكلف تنزيل تعميم الحماية الإجتماعية حوالي 51 مليار درهم سنويا

وفق نظام تمويل يعتمد على آليتين ، تهم الأولى الإشتراك بالنسبة للأشخاص القادرين على المساهمة وآلية التضامن مع غير القادرين على المساهمة .
إن تعميم ومأسسة نظام الحماية الإجتماعية ، مرتبط بالتحكم في القطاعات الإقتصادية وتنظيمها وهيكلتها لما فيه مصلحة العاملين وأسرهم ومصلحة الدولة واستقرارها وسهولة التجاوب مع أي طارئ يمس البلد ، فهل سننجح في هذا الورش
الإجتماعي الضخم؟ أم أن لوبيات الريع العشوائي سيقاومون كعادتهم؟

عضو المجلس الوطني للحزب

"فضـاء النقـاش" منصة للتـواصـل والتفـاعل بين زوار البوابة الرسمية لحـزب الأصـالة والمعـاصرة، وعليه، فالآراء الواردة به لا تُعبِّر بالضرورة عن مواقف رسمية للحزب، بقدر ما تعكِس وجهات نظر أصحابها...