المكتب الفيدرالي والحاجة إلى تفعيل الهياكل وتنشيط الفضاءات

0 172

بعد استكمال المهام ذات الصلة بأشغال المكتب السياسي المنتخب قبل أربعة أشهر من الآن. وبعد بسط الأمانة العامة للعديد من الأوراق والمقترحات والمبادرات المهيكلة لرؤية الحزب الخاصة بتدبير وتسيير الشأن الحزبي، على المستويين التنظيمي والسياسي في المرحلة المقبلة، انعقد أول اجتماع للمكتب الفيدرالي، نهاية الأسبوع المنصرم بفاس.
واليوم، نقف على معطى أهمية الارتقاء بمشروع الحزب إلى أعلى مستوى في سلم الأولويات. وبذلك، لا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ أن يكون الأشخاص ـ كيفما كان وضعهم الاعتباري داخل الحزب ـ فوق التنظيم والحياة الحزبية برمتها، فبالأولى والأحرى أن يصبحوا أولوية مقدمة على المشروع في صفائه ونقائه ومبادئه وتوجهاته وأهدافه وأولوياته، ذات الارتباط الوثيق بحاجات وانتظارات وطموحات الشعب المغربي، وذات الصلة بالمصالح الوطنية العليا.
فالتنظيم كمفهوم، وكأداة لتسيير وتدبير الشأن الحزبي الداخلي والإشعاعي، لا يجوز التقليل من أهمية الأدوار المنوطة به في تفعيل الحياة الحزبية، وفي إفعام العلاقات والتفاعلات بين المكونات الحزبية، بنوع من الروح الأخوية والنضالية في التعامل والتواصل والتفاعل والتنشيط وأداء المهام المحددة، وفق أجندة القيادة السياسية والتنظيمية على المستويات الوطنية والجهوية والإقليمية.
والتنظيم كذلك، لا ينبغي التعامل معه بعيدا عن طبيعة وشكل الأدوار والوظائف المنوطة بهياكله وأجهزته المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية، وفي منأى عن ممارسة الحزب ـ كمؤسسة ـ للأدوار التنظيمية والتأطيرية والتوجيهية والتمثيلية الموكولة له دستوريا، من أجل ضمان نوع من الحماية التنظيمية لكل أعضاء الحزب ومنخرطيه ومناصريه والمتعاطفين معه داخل فضاءاته الداخلية والموازية.
كما لا يمكن بالمطلق التعاطي مع المشاكل التنظيمية والقضايا العالقة في الحياة الحزبية باستبعاد المسؤولية التنظيمية للقيادة الحزبية، في شخص المكتب السياسي والمكتب الفيدرالي ومختلف اللجان الوظيفية الوطنية المتفرعة عن المجلس الوطني ـ كل حسب اختصاصه والمهام الموكولة إليه ـ في تدبير وتسيير شؤون الحزب وتشكيلته البشرية. وذلك على قاعدة تفعيل القواعد والضوابط المنصوص عليها في النظام الأساسي والقانون الداخلي، الضابطة للممارسات والتصرفات والسلوكات الصادرة عن الأفراد والجماعات أثناء إدارة الشأن الحزبي داخل مختلف الأجهزة وفي مختلف الفعاليات والأنشطة التي يقيمها الحزب.
نعيش اليوم على وقع انتظار الجميع للاطلاع على عرض للمكتب السياسي، المتضمن للتوجيه الاستراتيجي لسياسة الحزب، والمحدد للأولويات السياسية لعمل الحزب في هذه الفترة، والمترجم للتتبع النقدي لعمل الحكومة والجهاز التشريعي من موقع المعارضة، والمقدم لجهود المكتب السياسي الرامية إلى مساهمته في الوساطة والعمل على حل الخلافات الجارية داخل مختلف الأجهزة التنظيمية؛ الإقليمية والجهوية والوطنية.
وقد كان الكل منتظرا إعطاء مضمون سياسي للمشروع التنظيمي المتعلق بتصور المكتب الفيدرالي حول تحديد اختصاصاته، وهيكلة جهازه، وتوزيع مهامه على أعضائه. خاصة وأنه مطالب بالإشراف على التنظيم والحياة الداخلية للحزب، وتنسيق العمل الحزبي قطاعيا وترابيا، وتجميع وتحليل المعطيات المتأتية من البنيات الترابية القطاعية واللجان المتخصصة، والإشراف وتوجيه وتنسيق الاستراتيجية الانتخابية للحزب وطنيا وجهويا، وتدبير ممتلكات وإدارة ومالية الحزب، وتتبع أعضاء الحزب المحتملين لمسؤوليات عمومية، وتنظيم وتدبير العلاقات الخارجية للحزب، وتدبير العلاقة مع مختلف المكونات الحزبية والمجتمعية، وأجرأة الاستراتيجية الإعلامية للحزب، والبت في التوصيات التي تحال عليه من طرف لجنة التحكيم والأخلاقيات.
لقد تم الوقوف في أول اجتماع للمكتب الفيدرالي على الوضع التنظيمي داخل الحزب، الذي وإن كان قد حقق العديد من التراكمات على المستوى الاستقطابي والانتخابي، وكذا على مستوى إرساء الهياكل التنظيمية والإدارية جهويا وإقليميا، ومكن الحزب من التقعيد لرؤيته وأطروحته السياسية وتحديد توجهاته ومبادئه وأهدافه وأولوياته، بل وأتاح فرصة التموقع داخل المشهد السياسي كحزب جديد ومجدد، والتواجد بقوة داخل المؤسسات المنتخبة بمختلف مستوياتها، منذ التأسيس إلى الآن.
إلا أنه، حسب معطيات التشخيص الدقيقة، لا زال يعاني الشيء الكثير على مستوى ضبط العلاقات والتفاعلات الجارية بين مختلف أجهزته، وبين مناضلاته ومناضليه، سواء من حيث الالتزام بقواعد وضوابط السلوك والتحرك، أو من حيث التأطير والتوجيه والتكوين، الذي يعد ركيزة أساسية للتنشئة السياسية، والتأهيل الحزبي والسياسي، والتمرس على الجدية عبر التدرج في مواقع المسؤولية داخل الحزب محليا وإقليميا وجهويا و وطنيا، أو من حيث تنشيط فضاءات الحياة الحزبية الداخلية والإشعاعية.
وهو ما أسقط التنظيم في العديد من النواقص والتعثرات والأخطاء على مستوى التواصل، وأدخله في حالة من التيه وسط مناضلاته ومناضليه، وكذا بين منتخبيه. بما أثر سلبا على أداء أجهزة الحزب التنظيمية؛ الأساسية والموازية، وكان له انعكاس سلبي على أداء الإدارات الجهوية والإقليمية، وكذا على الأداء الإعلامي للحزب.
وكما ألمح إلى ذلك الأخ الأمين العام، فقد عشنا مؤخرا مدة عشرة أشهر من الجمود القاتل، ودخلنا لما يشبه حالة انتظار. واليوم، ها هو الحزب بعد تجديده الجزئي لهياكله الوطنية يعطي الضوء الأخضر للاشتغال بنفس جديد، مع استحضار ضرورة عقد ندوات التنسيق الجهوي، وهو منحى معبر عن إطلاق دينامية النقاش داخل هيآت الحزب على قاعدة خارطة طريق الأمين العام الجديد، وضرورة تحيين قاعدة الانخراط بالحزب.
غير أنه جرى التأكيد من خلال أول اجتماع للمكتب الفيدرالي على أن الجواب على سؤال إمكانية ضخ نفس جديد للاشتغال داخل الحزب، لا يمكنه أن يكون إلا عمليا، عبر التحرك في الميدان، وعبر المزيد من تفجير الطاقات وتحريرها داخل الحزب.
خاصة وأنه منذ انتخاب المكتب السياسي، والجميع على وعي بأن مشاريع الأجوبة على المشاكل والأعطاب الموجودة داخل الحزب، غير مقترن كليا بفرز قيادة وطنية، كما كان يرى البعض، بل هو رهين كذلك بالرفع من منسوب الجدية والالتزام لدى الجميع، وتنشيط الطاقات والكفاءات على كل المستويات.
فالمرحلة، بقدر ما تتطلب اليقظة والحذر والرفع من وتيرة الأداء، فإنها تفرض دوريا القيام بخطوة تقييم أداء مختلف الأجهزة الوطنية، وعلى رأسها المكتب السياسي، خاصة في الأربعة أشهر السابقة، من حيث الإنتاجية في المجالات التي تدخل في اختصاصه.
قامت الأمانة العامة بالتذكير بالخطوط العريضة لمشاريعها، من خلال تقديم المبادرات ذات الطابع السياسي؛ كفتح الحوار مع مختلف الأحزاب ضمن تنسيقات موضوعاتية والمذكرة الموجهة إلى رئيس الحكومة والانفتاح على النقابات ومناقشة مسألة فتح حوار وطني حول مأسسة الحوار الاجتماعي والتوجه إلى المنظمات الوازنة في المجتمع المدني…
والمبادرات ذات الطابع الاستراتيجي المرتبط بالرؤية والتصور؛ كالنموذج التنموي الجديد باعتباره ملفا ضاغطا على الاقتصاد المغربي وعلى توفير شروط العدالة الاجتماعية والمجالية وتطوير وإغناء وتبسيط أدبيات الحزب وبناء وبلورة رؤية الحزب في موضوع العدالة الاجتماعية والمجالية.
والمبادرات الميدانية؛ كالعشرين مبادرة وإجراء، الخاصة بإحداث آلية جهوية وإقليمية لتلقي شكايات المواطنين وآلية الرصد والإنذار المبكر وإحداث آلية للتدخل الاستباقي داخل الجهات والأقاليم…
والمبادرات التشريعية؛ من قبيل مقترح قانون لمأسسة الحوار الاجتماعي ومقترح قانون لإعادة هيكلة وتجميع القطب الاجتماعي وتهييء الحكومة لقانون إطار لتأطير وتنظيم مؤسسات الدولة لمجال الدعم الاجتماعي والحماية الاجتماعية…
والمبادرات الإعلامية والتواصلية؛ كإعداد نظام معلومياتي جد متقدم وإعادة النظر في الموقع الإلكتروني للحزب…
والمبادرات التنظيمية؛ لإعادة هيكلة منظمة الشباب على قاعدة الاستقلالية، وضرورة تفعيل منظمة النساء وكذا باقي المنتديات وبرنامج متعلق بإعادة هيكلة وتفعيل أجهزة الحزب باعتماد المقاربة الإقليمية… والرغبة في الخروج من وضعية الجمود…
ولم يفت الأمانة العامة، في هذا السياق، أن تنبه إلى أن هذه المبادرات، في غالبيتها، ستبقى على الأوراق إذا لم يتم تفعيلها، وهنا الحاجة إلى انخراط المكتب الفيدرالي في هذه الدينامية. بحيث سيكون الجميع راضيا إذا ما تم تطوير الأفكار والمقترحات والمبادرات على أساس التفعيل وتحريك البنيات التنظيمية للحزب.
فالمطلوب اليوم هو العمل على تفعيل هذه المبادرات، عبر التنظيم الذي أوكل النظام الأساسي للحزب مهمته للمكتب الفيدرالي، بدءا بإنجاز عرض حول الرؤية المؤطرة لتفعيل تنظيمات الحزب، بناء على التشخيص الدقيق لوضع الأقاليم، المتوفر من خلال تقارير سابقة خاصة بالموضوع، واختيار المقاربة الكفيلة بمعالجة المشاكل القائمة، وتنجيد القدرات والطاقات والوسائل والآليات والإمكانيات، من أجل تقوية الحزب وتعزيز هياكله.
وهي المقاربة المستحضرة لضرورة تظافر جهود الأمانات الجهوية، ورئاسات الهيئة الوطنية للمنتخبين الجهوية، وتمثيلية المكتب السياسي بالجهة، تحت الإشراف العام لممثلي المكتب الفيدرالي، من أجل القيام بكل العمليات المتعينة، على قاعدة دفتر تحملات يجب الاشتغال وفقه.