النموذج التنموي الجديد

0 1,024

*رشيد بطيطي

شكلت جائحة كورونا اختبارا مهما للسياسة الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، الشيء الذي دفع بالعديد من الباحثين إلى التساؤل حول النموذج التنموي الذي ينبغي للمغرب أن يعتمد عليه، وذلكابتداءا من سنة 2021، نضراللآثار السلبية التي ستخلفها هذه الجائحة، التي غيرت من مجرى الحياة الاعتيادية التي تعود عليها المغاربة، كما يعد موضوع النموذج التنموي من المواضيع التي أثارت اهتمام الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في الدولة والرأي العام ككل.

وبالتالي أصبح هذا النموذج غير قادر على مواجهة التطورات التي تطرأ على المجتمع، وأصبح يتسم بالفشل من طرف مختلف الفاعلين السياسيين، بذلك دعا جلالة الملك في خطاباته السامية المسؤولين إلى بذل ما في وسعهم قصد إيجاد نموذج تنموي يساير التغيرات التي عرفتها الدولة ويحد من الفوارق الاجتماعيةوالمجالية ويساهم في الرفع من اقتصاد البلاد.

ظهرالنموذج التنمويبالمغرب أول مرة سنة 2002 وهي السنة التي دخل فيها المغرب إلى مسار يعتمد على التدبير الاستراتيجي للتنمية عوض التخطيط الاستراتيجي، فهذه المسألة جاءت مغايرة لما تم الاعتماد عليه منذ الاستقلال، أي أن النموذج الحالي ليس النموذج السابق، حيث آنذاك ارتكز التوجه التنموي على تكثيف تدخل الدولة كفاعل في أحداث المقاولاتالعمومية، من أجل توضيح مفهوم النموذج التنموي كقاعدة عامة، أنه في الكثير من الأحيان يأتي في سياق مجهودات الدولة لتحقيق التنمية والتقدم والرفاه ورفع الطاقة الإنتاجيةوزيادة حجم الناتج الداخلي الخام،فالهدف الأساسي من صياغة النموذج التنموي لكل دولة يأتي من أجل العمل على واجهتين أساسيتين: آليات إنتاج الثروة والقيمة الاقتصاديةالمضافة،ثم آليات توزيع الثروة وثمار النمو الاقتصادي. فهنا لابد أن نشير إلى أنه يوجد فرق بين النموذج التنموي ونموذج النمو لأنه قد يقع اختلاط بين المفهومين، فبالنسبة للمفهوم الأول قد يلامس مختلف جوانب الدولة،والغرض منه هو تطور المجالاتو الأخذ بها للأحسن مما هي عليه،وبالنسبة للمفهوم الثاني قد يعد جزءا من النموذج التنموي يركز على اعتماد سياسات اقتصادية تهدف لدعم النمو وخلق القيمة المضافة.

كما أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في الخطاب السامي الذي ألقاه أمام أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة في أكتوبر 2017، أنه “إذا كان المغرب قد حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية”.

 

أولا: أية آلية لوضع نموذج تنموي على أرض الواقع؟

تطمح مختلف الدول،ومن بينها المغرب، على وضع نموذج تنموي قائم على تحقيق أهداف جوهرية قصد الحصول على مغرب متطور، وتتمثل هذه الأهداف في تحقيق حاجيات الإنسان المتمثلة في المأكل والمسكن…الخ، مع ضرورة الرفع من مستوى معيشته بناءا على إعطائه حقهفي الشغل، والرفع من مستوى التعليم والصحة مع ضرورة الارتقاء بالقيم الإنسانية والثقافية في المجتمع واحترام حقوق وحريات الأفراد ووعيهم بضرورة المحافظة على البيئة وترسيخ لديهم مسألة احترام سيادة القانون، فالمغرب يمضي اليوم في تجربة رائدة وخطوات ثابتة في طريق التحديث والديمقراطية وتكريس دولة القانون ومحاربة الفساد ونبذ الظلم الاستبدادي ونهج أسلوب الحكم الصالح.

ثانيا: رهانات لجنة النموذج التنموي الجديد

تنظر اللجنة المكلفة بالنموذج التنموي الجديد في رهانات تطرح عدة تصورات، وتتجلى خصوصية هذه اللجنة في القيام بمهمة ثلاثية، تتمثل في إعادة التقويم ضمن منهجية استباقية واستشرافية من أجل تمكين البلاد من الاتجاه نحو المستقبل بكل ثقة، مع الاعتماد على مختلف المكاسب التي حققها الاقتصاد المغربي خلال العشرين سنة الماضية والأخذ بعين الاعتبار التوجهات الرئيسية للإصلاحات التي تم تنفيذها في مختلف القطاعات، لاسيما التعليم والصحة والفلاحة والاستثمار والنظام الضريبي…الخ.

وبالتالي ينبغي على مختلف الفاعلين السياسيين والإداريينوالجمعويين، الذين ينبغي عليهم أن يتحملوا المسؤولية الكاملة، في تنزيل البرامج التنموية على شكل إنجازات إصلاحية، فبناء النموذج التنموي يحتاج إلىتضافر الجهود والاشتغال بشكل جماعي حتى نستطيع أن نعالج مشاكلنا بمنطق تشاركي من أجل وضع نموذج تنموي راهني يساير مختلف الجوانب الاجتماعيةالتي لطالما انتظره المغاربة والقوى الوطنية والمجتمع المدني، يشكل علامة فارقة جديدة في الصرح المؤسساتي للمملكة، وبهذا المعنى سيساهم في ترسيخ الإنصاف والعدالة الاجتماعية والسياسية، كما سيترك بصمته في الانطلاقة الجديدة للاقتصاد المغربي.

عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة مغاربة العالم كندا

"فضـاء النقـاش" منصة للتـواصـل والتفـاعل بين زوار البوابة الرسمية لحـزب الأصـالة والمعـاصرة، وعليه، فالآراء الواردة به لا تُعبِّر بالضرورة عن مواقف رسمية للحزب، بقدر ما تعكِس وجهات نظر أصحابها...