عادل البيطار يفكك مكامن خلل التدبير الحكومي

0 247

مواصلة للتقييم الأولــــي لمشروع قانون المالية 70.19 لسنة 2020، وخلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، قدم عضو الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة عادل البيطـــار عرضا تطرق في مطلعه إلى السياق العام المتعلق بمشروع القانون المذكور أي السياق الدولي والوطني.

دوليا، ذكر البيطار أن المذكرة التقديمية للمشروع أشارت إلى ما جاء في تقرير صندوق النقد الدولي بخصوص آفاق الاقتصاد العالمي الذي من المتوقع أن يشهد انخفاضا (90 في المائة من الاقتصاد العالمي) وسيمر من 4 في المائة سنة 2019 إلى 3.6 في المائة وصولا إلى 3.3 في المائة رغم أن كل التوقعات كانت تشير إلى أن الانخفاض سينحصر في 3.9 في المائة.

وأضاف المتحدث في نفس السياق أن الظرفية العالمية تواجه تحديات كبيرة ومنها ما تشهده العلاقات الصينية الروسية حاليا من تصاعد للتوتر، والضغوط التي تعرف اقتصاديات عدة دول: الأرجنتين، تركيا، إضافة إلى توتر الأوضاع المالية وعودة السياسة النقدية في مجموعة من دول العالم. وهذه الظرفية يقول البيطار يجب أخذها بعين الاعتبار بحيث أنه لا يمكن إعداد مشروع المالية لبلادنا في معزل عن كل ذلك، ورغم ما يمكن اعتباره تحسنا مرتقبا فإن صندوق النقد الدولي من موقعه يتحدث عن انخفاض نمو الاقتصاد العالمي سنة 2020 إلى 3.5 في المائة وهي النسبة التي يتوقعها كذلك مشروع قانون المالية ل 2020.

وذكر البيطـــار أن بلادنا معنية بشكل أو بآخر بهذه التحديات، بالنظر إلى أن تقرير صندوق النقد الدولي يوصي بتعزيز الطابع الاحتوائي وإجراء حوار اجتماعي بين جميع الأطراف المعنية لمعالجة عدم المساواة …

وطنيا، تطرق عضو الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة إلى الوضعية السياسية والحقوقية ببلادنا وكذلك الظرفية الاقتصادية من خلال عرض مجموعة من المؤشرات والأرقام ذات الصلة، ففيما يتعلق بالجانب السياسي- الحقوقي قال البيطار: “لا يمكن أن نختلف على أن هناك إجماع بين مختلف الفاعلين السياسيين كل من زاوية رؤيته للأمور على أن هناك رغبة في تحقيق انتقال ديمقراطي ظل منشودا لدى فئات عريـــضة من الشعب المغربي بمختلف أطيافه، وفعلا، ومع العهد الجديد الذي دشنه الملك محمد السادس تم إطلاق مبادرات جريئة بهذا الخصوص (الاستمرار في تجربة التناوب، هيئة الإنصاف والمصالحة، دستور 2011 …)، إجراءات ومبادرات جعلت المغرب يعيش استثناء إيجابيا في محيطه الإقليمي.

بالمقابل، ذكر البيطار أن هذا الاستثناء المغربي “الانتقال الديمقراطي” يعرف بين الفينة والأخرى انتكاسات سياسية وارتدادات في المشهد الحقوقي تم التعامل معها بتدابير وتوجيهات ملكية سامية من خلال محاسبة مجموعة من المسؤولين -في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة- الذين تسببوا في تسجيل جملة من التراجعات ببلادنا.

وبالتالي يقول البيطار إنه لا يمكن الحديث عن الظرفية الاقتصادية بمعزل عن الوضع السياسي والحقوقي ببلادنا، وهذا الأمر يسائل الفاعلين السياسيين والحزبيين عن مدى مسؤوليتهم الجماعية عن تراجع المكتسبات التي راكمها المغرب طيلة ال 20 سنة الأخيرة التي تعززت بمقتضيات وردت في دستور 2011. وهو الدستور الذي انتصر للديمقراطية والصناديق الانتخابية واستجاب لمجموعة من المطالب الحقوقية والدستورية التي كانت تشكل مطالب شعبية حقيقية، كما أن ذات الوثيقة أكدت على حق الحزب المتصدر للحكومة في تشكيل الحكومة.

إلا أنه يلاحظ، يضيف عضو الفريق النيابي للبام، أنه إذا كان الدستور قد انتصر لنتائج الصناديق كما تمت الإشارة سلفا، فإن الفاعل الحزبي -مع الأسف- وفي إطار تنزيل المكتسبات الدستورية والديمقراطية كان له رأي آخر حيث رجح كفة “التقنوقراط” على كفة الحزبي والسياسي وفي ذلك تكريس لوضع كان في الأساس والجوهر هو سبب تراجع مجموعة من المواطنين المغاربة عن الاهتمام بالشأن السياسي وكذا الشأن الحزبي. فالإشارات التي تعطى من خلال هذا الأمر لعموم المغاربة وللشباب على وجه الخصوص ولمن كون قناعة بعدم المشاركة في اللعبة السياسية والانتخابات، هذه الإشارات رسخت القناعة بأن لا جدوى أحيانا من ممارسة السياسة ولا فائدة من العمل في إطار الأحزاب السياسية.

وعرج المتحدث في هذا السياق على الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش الذي تم فيه التأكيد على إغناء مناصب المسؤوليات الوزارية والإدارية با “الكفاءات” الوطنية، والحال أن لكل جهة تصورها لمفهوم “الكفاءات” فهناك من يرى أنها تتجسد في التقنوقراط وهناك من يرى أمرا آخر. علما أن الدعوة من خلال الخطاب الملكي جاءت صريحة وواضحة بتعزيز الحكومة عن طريق كفاءات حزبية، واستغرب البيطار بالمقابل من تكريس رئيس الحكومة للتوجه نحو التقنوقراط خلال التعديل الحكومي الأخير (الصحة، التعليم …)، وتسائل البيطار بالقول: “كيف لحكومة سياسية منبثقة عن صناديق انتخابية اختار رئيس أن يسلم زمام تسيير أهم القطاعات الحيوية التي يتوق المغاربة في أن تحدث (القطاعات) الرجــــة المنتظرة إلى “التقنوقراط”؟.

وأضاف النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة في نفس العرض على أنه ليس ضد “التقنوقراط” وليس ضد التمييز بين المغاربة، ولكن على من رفع شعارات في السابق مدافعا عن الفاعل السياسي وأهمية الانتخابات (عليه) أن يستحضر تلك الشعارات التي كان يرفعها عندما كان في المعارضة أو إبان الإعداد لدستور 2011. واعتبر المتحدث أن ما حدث في التعديل الأخير للحكومة ترك انطباعا بكون الأحزاب السياسية قوقعة الولوج إليها أمر له ما له، فلا يعقل أن حزبا يتولى التدبير الحكومي لولايتين يستقدم نفس الوجوه لولايتين حكوميتين مع ما تخللهما من تعديلات .. للأسف رئيس الحكومة غير نفس الأشخاص ونقلهم من مواقع إلى مواقع أخرى، فأين موقع “النخب” من كل هذا؟، ما محل “النخب” من إبراز كل ما يقوم به الفاعل الحزبي/ السياسي؟ يتسائل البيطار. إن ما حدث يؤكد على عدم رغبة الأحزاب السياسية في الانفتاح على “النخب” و”الكفاءات” وتكريس “التقنوقراط”، يسترسل النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة.

وفي سياق ذي صلة، دعا المتحدث إلى إعادة النظر في طريقة اشتغال الأحزاب السياسية، ولذلك بالنظر إلى “الخلل” الكامن في المشهد السياسي-الحزبي الذي أفرز ما أفرز (تعيين الوزراء من التقنوقراط نموذجا)، مؤكدا على ضرورة استيعاب مضامين الخطاب الملكي الذي يتحدث عن “الكفاءات” في التعيين وتحمل المسؤوليات، وحتى أنه في خطاب ملكي سابق تمت الإشارة إلى الرفع من الدعم العمومي الموجه للأحزاب حتى تجلب “الكفاءات”.

وإذا كان وزير الاقتصاد والمالية قد رفع شعار “الثقة” خلال عرضه لمشروع قانون المالية، وفي الوقت الذي يطلب فيه من المغاربة أن يثقوا بالتدابير والإجراءات الحكوميــــة واستمرار “تراشق” المكونات الحكومية فيما بينها، فإننا نجد، يقول البيطار، على أن أعضاء الحكومة لا يثقون في بعضهم البعض ويسجل في ذات الوسط التنقيص من قيمة اسم وزاري … وأشاد البيطار بالتدخلات الملكية من خلال الخطب والتوجيهات التي تدعو الفاعلين السياسيين-الحزبيين للرجوع إلى جادة الصواب حتى تمضي بلادنا إلى أفق أفضل.

وأكـــــد البيطار على أنه لا يمكن تحقيق التنمية وتعزيز النمو الاقتصادي إلا من خلال تعزيز سيادة دولة الحق والقانون وكذلك من خلال تكريس الحقوق والتنزيل الأمثل لمقتضيات الدستور ذات الصلة لأنه بهذا الأسلوب يمكن إصلاح مسيرة التنمية وتحقيق الإقلاع الاقتصادي بما يوفر الشغل للجميع ويزرع الطمأنينة والاستقرار و”الثقة” الحقيقية التي أصبحت مفقودة في المؤسسات: الحكومة، البرلمان…

وفي إطار تنزيل المقتضيات الدستورية حيث ورد في قانون المالية ما من شأنه المس باستقلال السلط، شدد عضو الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة على أن هذا الأخير كان دوما يلح على وجوب احترام استقلال السلط والحفاظ على أدوار المؤسسات الدستورية والمؤسسات التشريعية (حين مناقشة الميزانيات المتعلقة بمؤسسات ذات صلة) وبالخصوص استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية، وفي هذا الإطار أوضح البيطار أنه جاء في المادة 9 من مشروع قانون المالية: “منع إخضاع ممتلكات الدولة والجماعات الترابية للحجز، رغم صدور أحكام قضائية نهائية في مواجهتها”، والحال أن دستور 2011 يشدد على أن الأحكام القضائية النهائية ملزمة للجميع، وعلى هذا الأساس أوضح البيطار علــى أن المادة تشكل خرقا لمبدأ فصل السلط وأن واضع مشروع القانون المالي 2020 يغلب عليه الطابع التقني والفني. وأكد البيطار على أهمية احترام حرية التعبير فيما يخص التعليق علـــى المادة المذكورة.

وإذا كان خطاب الملك قد أكـــــد في افتتاح الدورة التشريعية الخريفية على أهمية القطاع البنكي ودوره في تمويل المشاريع دعم الشباب وإدماجه في المجتمع وكذلك النسيج المقاولاتي فإن المقتضيات الواردة في مشروع قانون المالية ذات الصلة بمضمون الخطاب تظل محتشمة فحتى إحداث صندوق دعم المقاولات فإن الغلاف المالي المخصص له ضعيف، وبالتالي غيب هذا القانون إشارة تنزيل مضامين الخطاب الملكي في تطوير المقاولة الصغيرة والمتوسطة والعناية بهذه الشريحة مجتمعيا واقتصاديا وخاصة لدى فئة الشباب.

مراد بنعلي