غيثة بدرون تسائل الجودة بقنوات قطب الإعلام العمومي..

0 272

أكدت النائبة البرلمانية غيثة بدرون عضو الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة، في مداخلة لها اليوم باسم الفريق في لجنة التعليم والثقافة والاتصال لمناقشة وتقييم البرامج التلفزية بالقناتين الأولى والثانية، أن هذا الموضوع يتجدد كل سنة مع اقتراب ونهاية شهر رمضان الكريم، لأنه الشهر الذي يشهد عرض أكبر نسبة من الإنتاجات الفنية والبرامج، كما أنه الشهر الذي ترتفع فيه نسب المشاهدة. وكما هو معلوم فالتوقيت الذي تعرض فيه هذه الأعمال يتزامن مع اجتماع جميع أفراد العائلة المغربية على مائدة الإفطار، مما يطرح سؤال جودة المضمون والشكل بقنوات القطب العمومي وقدرته على التنافس، ويفرض تقديم منتوج محترم وهادف.

لكن، تضيف السيدة النائبة، وفي كل سنة ترتفع أصوات العديد من المشاهدين احتجاجاً على المستوى “المتدني” للكثير من البرامج التي لا ترقى إلى مستوى تطلعات الجمهور المغربي، واستمرار القنوات التلفزيونية العمومية في عرض برامج تستخف بعقول المشاهدين، برامج تتسم بالتكرار والتقادم وتفتقد للابتكار، مما تسبب في سخط فئة عريضة من المشاهدين المغاربة من برامج رمضان وعدم متابعتها.. بل والدعوة إلى مقاطعة هذه القنوات.

وأشارت النائبة غيثة بدرون إلى أن هذه الانتقادات ليست جديدة ولا وليدة اليوم، فمنذ سنوات هناك ما يشبه إجماعا من طرف المشاهدين وحتى النقاد على أن الكثير من البرامج وإنتاجات القناتين الأولى والثانية، سواء الكوميدية أو الدرامية وحتى الترفيهية، لا ترقى إلى مستوى تطلعات الجمهور، ولا تستجيب لتغيرات واقعه ومتطلباته. فبالنظر إلى ضعف مضامينها وهيمنة الارتجالية، والسطحية التي ينهجها أصحاب هذه الإنتاجات تجاه المشاهد المغربي، فمن الطبيعي أن نجد أصواتا من الجمهور العريض تنادي بمقاطعة القنوات المغربية، تعبيرا عن سخط المشاهد مما يقدم له من مضامين سمعية بصرية.
فالتلفزة لا يمكن اختصارها في برامج الترفيه، تقول النائبة عن البام، بل تتعدى ذلك إلى أدوار مهمة مثل الأسرة والمدرسة. وتشكل وعيا جماعيا بطريقتها. بينما البرمجة المعتمدة في القناتين الأولى والثانية، وخاصة في شهر رمضان، ليست سوى تكرار متعمد لنمط أعمال يرفضها المشاهد المغربي، وقد عبر أكثر من مرة عن تذمره من مستواها لأنها، حسب الكثير من المتتبعين، تكرس المزيد من العبث والرداءة.

لقد أصبحت البرامج وسياسة البث يقرران من خلال وكالات الإعلان والتسويق. فبالنسبة للمسؤولين لم تعد التلفزة “للجميع”، بل فقط آلة منتجة لمستهلكين محتملين من أجل مستشهرين! ، تقول بدرون، مما يحيلنا على ملاحظة أخرى لا تقل أهمية عن موضوع البرمجة على القناتين الأولى والثانية، وهي الكم الهائل للإشهارات، حتى أصبحنا نرى بين كل إشهار وإشهار، إشهارا آخر !!! وأصبحنا لا نعلم أنحن أمام قنوات تلفزية عمومية أو وكالات للإشهار؟ والغريب أن نفس الوجوه التي يشاهدها المواطن المغربي بالقناة الأولى يصطدم بها في القناة الثانية، فهي نفسها التي تقدم الوصلات الإشهارية، تؤكد النائبة البرلمانية.

ونبهت غيثة بدرون في مداخلتها إلى أنه وفي الوقت الذي يشتكي فيه العديد من الفنانين المغاربة من رفض القنوات المغربية لأعمالهم الفنية رغم توفرها على كل الشروط المطلوبة، والغريب في الأمر أنه حين يطلع المواطن المغربي على هذه الأعمال أو مضمونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يكتشف أنها أكثر جودة واحترافية من معظم البرامج التي تعرض على قنوات القطب العمومي، مما يجعلنا نتسائل حول المعايير المعتمدة في انتقاء الأعمال؟ وكذا السر وراء سيطرة بعض الفئات والوجوه الفنية على القنوات المغربية؟ ومدى احترام مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص؟.

ورغم سهام الانتقادات المتكررة الموجهة في هذا الإطار، تصر القناتان الأولى والثانية على الاستخفاف بالمشاهد المغربي من خلال تقديم برامج أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تفتقد للمهنية والجودة وغياب الإبداع حتى لا نقول شيئا آخر، إنتاجات مغرقة في الإسفاف والابتذال، لا تعكس الزخم الإبداعي والثقافي والتراثي الذي يتوفر عليه المغرب، تقول النائبة غيثة بدرون.

وفي تقييمها لمستوى البرامج ، أكدت ذات المتحدثة أن مستوى البرامج المقدمة حاليا، دون مبالغة أو تحامل، يعكس قتامة واقع الإعلام عندنا. كما أن التصنع والنمطية سمتان بارزتان تعنونان مجموعة من البرامج المبرمجة في شهر رمضان وباقي شهور السنة. وباختصار، فبرامجنا لم تعد تقدم جديدا.. !!!

وحملت النائبة المسؤولية للوزير المعني ، وأكدت أنها مسؤولية ثابتة وقائمة بخصوص ضمان جودة ما يقدم للمواطنين المغاربة، لأن قيمة المنتوج المقدم على القناتين الأولى والثانية لا تزداد إلا ترديا وسوء؛ وترتفع، مقابل ذلك، نسب عزوف المغاربة عن إعلامهم العمومي، وعزلهم عن الانخراط في قضايا وهموم وطنهم.. وبالتالي الهجرة نحو القنوات الأجنبية الأخرى. وأضافت ذات المتحدثة، إننا بحاجة اليوم إلى إعلام عمومي مواطن ومنفتح على العالم، إعلام عمومي يستند إلى تلفزات وإذاعات متجددة ومجددة، تتواجه فيها الأفكار يوميا وتتحاور فيها الثقافات، وتتعايش فيها المرجعيات والخطابات… لأن وجود منتوج إعلامي تلفزي فعال ومهني وعقلاني وذي جودة سيكون له تأثير كبير على المجتمع.
وبحس المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعا، تشدد بدرون، نتسائل حول ما إذا كان إعلامنا يمتلك رؤية واضحة يدبر من خلالها اللحظة، ويرسم أفقا لمستقبل يتطلبه الْيَوْمَ قبل الغد، خاصة وأننا نقف أمام عتبات كثيرة، ومنها عتبة مراجعة نموذجنا التنموي. إن الإعلام بدوره كمكون أساسي ينبغي أن يراجع نموذجه لابتكار نموذج تنموي واقتصادي جديد، ليخرج هذا الإعلام من بوثقة التيه التي يعيشها مؤسساتيا ومهنيا، فقطاع الإعلام العمومي لا زال يجتر سؤال جودة المضمون والشكل وقدرته على التنافس، وهو الأمر الذي ينسحب أيضا على القطاع الخاص. مما يجعلنا نعيد طرح نفس السؤال حول ما إذا وجد قطاع الإعلام طريقه، ولو نسبيا، نحو نموذج جديد يمكنه من التخلص من مخزون الشوائب التي تشوبه، إعلام عمومي يستند إلى تلفزات وإذاعات مجددة، تتواجه فيها الأفكار يوميا وتتحاور فيها الثقافات، وتتعايش فيها المرجعيات والخطابات..، نحن بحاجة إلى قنوات تشتغل بشكل إيجابي ومتطور، وترصد مسالك التحولات والمتغيرات ومسارات البناء الديمقراطي في المغرب، وما يكتنفه من أعطاب واختلالات. لذا فإن برمجة تلفزية فعالة ومهنية وعقلانية وواقعية ومبتكرة من شأنها ممارسة التأثير الإيجابي على المجتمع. كما أن الفعالية لا يمكن أن تتأتى إلا عبر بث الخبر الصحيح والمعلومة السليمة والمواكبة المستمرة للأحداث والوقائع عبر مصاحبة مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
يجب على القناتين الأولى والثانية، تقول ذات المتحدثة، أن تكونا قاطرتين حقيقيتين لبناء مجتمع ديمقراطي، وأن تلعبا دورا أساسيا في توطيد الثقة في نفوس المغاربة، ومواجهة ثقافة اليأس والإحباط، والتفاعل مع ما يوجد في المجتمع من احتقانات ومشاكل، لا أن تغرق المشاهد ببرامج لا تقدم جديدا ولا تحترم وعيه وذائقته.

من جهة أخرى، تطرقت النائبة غيثة بدرون لوضعية قناة دوزيم، هل يجب أن تحسب على القطب العمومي أم أنها توجد في وضعية بين- بين؟ فكما هو معلوم أن القناة تعيش وضعا ماليا صعبا انعكس على نفسية العاملين في شتى التخصصات وجعلتهم يعيشون عدم الاستقرار المهني تخوفا من انزلاق القناة إلى الأسوأ، بكل صدق لا يجب أن نبقى في موقع المتفرج ونحن نشاهد الانهيار التدريجي لقناة يمكن تأهيلها، وإعادة النظر في النموذج الاقتصادي الذي قادها إلى الوضع الحالي.
وفي إطار التأهيل والإصلاح وتجويد العرض الإعلامي، أعادت غيثة بدرون طرح ضرورة التعامل بكثير من المسؤولية والجدية في انتقاء الأعمال السينمائية والمسلسلات والأعمال الدرامية والمنوعات والترفيه والتي غالبا ما تنتجها شركات خاصة، لأن التحولات الثقافية والاجتماعية ومفهوم الخدمة العمومية تقتضي انتاجات راقية على كافة المستويات لأن الأمر يتعلق بصناعة ذوق ورأي عام.
وختمت النائبة البرلمانية غيثة بدرون مداخلتها بالإشارة إلى أنه قد سبق لهذه لجنة التعليم والثقافة والاتصال أن قامت بمهمة استطلاعية مؤقتة لقنوات القطب العمومي ورفعت توصيات مهمة كان يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، لأنها كانت ستساهم دون شك في تجويد أداء القناتين الأولى والثانية.. لإعادة الاعتبار لهذا المرفق الوطني الحيوي ومواصلة الجهود لإقرار إعلام عمومي وطني يكسب رهان الجودة والتنافسية والاضطلاع بمتطلبات الخدمة العمومية وهو رهان لا يحتمل التأجيل.