في اليوم الأممي للعمال.. المرأة العاملة تعيش واقعا مريرا بطعم الاستغلال

0 77

عديدة هي الصور التي تختزل معاناة المرأة، من استغلال، احتقار وامتهان وهضم للحقوق، نمر عليها كل يوم أو نعيش جزء من تفاصليها دون أن ننتبه إلى أننا نشارك ونساهم أو نتواطؤ في إهانة نصف المجتمع..

من دهاليز المقاهي، إلى بساتين الضيعات، وجابيات حافلات النقل بالعاصمة، وانتهاء بعاملات الزرابي وعاملات النظافة بسيدي موسى بسلا، نرصد أوجه الاعتداء اليومي والممنهج على حقوق المرأة و الذي يستمر في عيد الشغل، غير عابئ بحفلات المسارح والقاعات المكيفة لتخليد تقليد احتفالي ليس إلا أبرز طقوسه إصدار البيانات والبلاغات، ورفع الشعارات دون أن تحمل هذه الذكرى أي جديد.

العمل في واقع تكرسه الدونية والاحتقار

المكان المحطة الطرقية بالخميسات، الزمان، صباح يوم الأحد 30 أبريل، الظلام يتوارى فاسحا المجال لقدوم يوم جديد. شبابيك المحطة تستعيد بعض حركتها، والحياة تدب تدريجيا في المحطة.

زهرة واحدة من النساء اللواتي يبدو أنهن، يرتبط بالمكان، تتحرك بحيوية في كل الاتجاهات. بعد أن قامت بترتيبات روتينة، أوقدت قنينة الغاز، وبدأت في تحضير الشاي و القهوة.

في أقل من عشر دقائق هيأت زهرة مائدة صغيرة، تعرض فوقها صحونا مملوءة بالبيض، والرغيف التقليدي (الملوي)، والزبدة البلدية، وزيت الزيتون، و خبزا ساخنا يفتح الشهية في بداية يوم جديد.

حتى السجائر عرضتها بعناية، اقتربنا من زهرة وكان طبيعيا أن نطلب فطورا لنعبد جسور التواصل مع هذه السيدة، التي خنق برد فصل الربيع صوتها، وكذلك كان، وما هي إلا لحظات حتى انطلقت زهرة في سرد قصتها. أم لأربعة أطفال، وزوجة لشخص أهمل أسرته بعدما قست عليه الحياة. انقطعت صلتها بزوجها بعد أن قضى سنة سجنا بسبب عجزه عن أداء ديون تراكمت عليه وعجزه عن توفير مؤونة شيكات قدمها على سبيل الضمانة.

لم تنشغل بالبحث عنه، صارحت أبناءها، وطلبت مساعدتهم، وقد نجحت بمدخول يومي لا يتعدى 80 درهما في إعالتهم لسبع سنوات، كبيرهم حصل على إجازته، وصغراهم تتلمس طريقها في أولى سنوات التعليم الإعدادي.

الاشتغال في البيوت والمقاهي في غياب أي استقرار

اشتغلت بالبيوت، واشتغلت بمقهى، كما قامت بإعداد الأطباق التقليدية وبيعها بسيدي علال البحراوي، إلا أنها فشلت في تحقيق التوازن المنشود، إلى أن احتلت ركنا بجنبات المحطة الطرقية قبل خمس سنوات، ونجحت في تحقيق دخل يومي يكفيها للحد الأدنى من حاجيات أبنائها، كما أنها لا تحس بتبعيتها لأي مشغل، علاوة على أنها تتوقف كلما وجدت عملا موسميا أكثر دخلا.

لا شيء يشغل بال زهرة غير أبنائها، لا تحقد على زوجها وتتمنى أن يعود من أجل أبنائه فقط، كما أنها باتت صاحبة تجربة تتوجها بخلاصات حاسمة حول الأسرة، وعلاقات الدم، و أنانية الأقارب و قسوة الحياة.

زهرة تحصل على خمسين درهم كربح صافي من بيع كؤوس القهوة والشاي والملوي وزيت الزيتون، وتربح 30 درهم من بيع السجائر بالتقسيط يبتدئ يومها في الخامسة صباحا، وينتهي في الواحدة، ولا تشتكي من شيء، إلا من قسوة الإنسان على الإنسان. تفاصيل كبيرة وصغيرة تحكيها زهرة تغالب الدموع أحيانا وتستسلم لضعفها في مناسبات أخرى، تتذمر من كل طامع في استغلالها جنسيا، وتتساءل عن كيف يسمح عنصر القوات المساعدة لنفسه بأن يدخن سجائرها ويشرب الشاي دون أن يدفع؟.

خادمات السواني (الضيعات)

تراجعت المساحات الفلاحية كثيرا بسلا، ومع ذلك فإن أكثر من 90 من عاملات السواني هن نساء. يشتغلن بأجور موسمية تتراوح بين 30 درهم و50 درهم، مع مزايا أخرى كالحصول على الخضر، وإعادة بيعها بالسوق مساء. يبتدا يوم عاملات السواني فجر كل يوم، يتجمعن في مكان معين، ويتم نقلهن إلى مكان العمل. فطورهن شاي وزيتون وزبدة إن وجدت، يتناولنه منذ السابعة بعد ساعتين من العمل، ويخاصمن الأكل إلى حدود منتصف النهار، ليستأنف العمل إلى الرابعة عصرا.

العمل في السواني لا يخلو من مشقة وتعب. نساء السواني يعانين أمراض الظهر، والروماتيزم، والسل، إضافة إلى أمراض جلدية مرتبطة بالحساسية من بعض أنواع النباتات.

عاملات السواني، يكلفن بمهام في الحقول، ويشرف على مراقبتهن مالك الضيعة أو من يكلفه لمراقبتهم. هذه المهنة لا تخلو من مخاطر، فجل النساء معرضات ” للكريساج” و الاعتداء عندما يغادرن بيوتهن كل يوم قبل طلوع الشمس، كما أنهن ينتقلن للحقول في ظروف صعبة و في الغالب على متن وسائل نقل غير مريحة يتعرضن خلالها للبرد والرشح، إضافة إلى مخاطر صحية أخرى.

من بين ما تعانيه نساء السواني، الجوع، فالوجبات اللاتي ييتناولهن على مدار اليوم، لا تلبي احتياجات الانسان الطبيعي، لا سيما أن الجهد المبذول يحتاج إلى تغذية متوازنة لتعويض ما يبذل من جهد عضلي.

من بين قصص حادة والسعدية، تعرضهن للابتاز الجنسي والاستغلال من طرف المشغلين أو من يكلفون بمراقبتهن، كما أن عاملات السواني يستنزفن صحتهن دون تغطية أو تعويض أو حقوق اجتماعية، ويواجهن خطر العطالة بمجرد تعرضهن لوعكة صحية مع احتمال خسارة عملهن..

لبنى شابة في السابعة والعشرين، استقر بها المقام كجابية للحافلة بعد أن جربت عدة مهن، كاتبة لدى محامي، عاملة بمحل لنسخ الأوراق، عاملة بمخدع هاتفي، عاملة بمحل لبيع الملابس النسائية، ومهن أخرى، إلى أن ساعدها عمها في العمل كجابية بحافلات النقل الحضري منذ خمس سنوات. لا تنكر أنها تحس باستقرار وتحصل على أجر دائم، لا يكفي حاجياتها لكنه الأعلى و الأحسن قياسا على تجاربها المهنية السابقة.

لبنى لم تكن تحلم بالحصول على ما تقبضه في نهاية كل شهر، وتعتبره مناسب إلى حد ما لو أن عائلتها تستطيع تدبر أمرها دون الاعتماد عليه. لبنى وسناء وهن يتناولن وجبة سريعة بسناك وسط الرباط بعد انتهاء الدوام، في حدود الساعة الثانية، تحلم باليوم الذي تتزوج فيه إلا أن أغلب من التقت بهم يشترطون مساعدتها في تغطية مصاريف بيت المستقبل، وهي تدرك أن مبلغ 2400 درهم لا يقبل القسمة.