“قضايا وآراء”.. الخبير محمد بادير يقدم “وصفة” البام الاقتصادية والاجتماعية الكفيلة بإنجاح النموذج التنموي الجديد.

0 480

قال، عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة والخبير المالي ذ.محمد بادير، في مدخل حديثه خلال حلوله أمس الثلاثاء 14 يناير الجاري، ضيفا على برنامج “قضايا وآراء” (القناة الأولى) في إطار حلقة خصصت لموضوع: أي دور للأحزاب السياسية في بلورة النموذج التنموي الجديد، (قال) إن عملية التحديث مقرونة بالتنمية.

واعتبر بادير أن “الأحزاب لها موقع جوهري ومحوري في النموذج التنموي، فالأحزاب هي أول من وضعت الأصبع على هذا الخلل منذ عشرات السنين”، مشددا على أنه كان من اللائق أن تكون بعض الأحزاب خاصة تلك التي لها السبق في هذا الموضوع ممثلة في التركيبة (تركيبة اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد)، وأوضح من جهة أخرى أن الأحزاب لها دور المصعد ما بين القاعدة الجماهيرية وما بين النخبة في قمة الهرم وهنا نحيل على اللجنة المكلفة بصياغة وبلورة هذا النموذج التنموي.

لماذا الأحزاب؟، لأنها هي الأقرب إلى الواقع الحقيقي والمعيش اليومي للمواطنين، يسترسل بادير، وتواصل معهم بشأن همومهم ومشاكلهم التي يعانون منها، وليس النخب والمفكرين حيث أن اللجنة المشار إليها سلفا يطغى عليها الجانب النخبوي، إذن كان الأولى أن تمنح الفرصة للأحزاب لبلورة الهموم والمشاكل في شكل سياسات ولها القدرة (الأحزاب) بما يكفي لذلك بالنظر إلى توفرها على طاقات وكفاءات، وبعد ذلك توجه كل الاقتراحات والأفكار من القاعدة إلى الهرم (اللجنة) لتصوغ قالبا شاملا يتمثل في النموذج التنموي. وبعد ذلك ينزل النموذج عن طريق الأحزاب إلى القاعدة ومقارنة مضامينه مع هموم المواطنين وهذا هو صلب الديمقراطية التشاركية.

وذكر عضو المجلس الوطني للبام في نفس الإطار على أن التجربة في المغرب أبانت أن السياسات والاستراتيجيات القطاعية التي تأتي من “الفوق” كلها فشلت، وهذا معناه أنه حان الوقت أن أصحاب القرار وأصحاب صياغة السياسات أن يشركوا الشعب و مختلف فئاته وتنظيماته لان الديمقراطية التشاركية هي الضامنة لنجاح أي سياسة.

وشدد المتحدث على أن هناك نقطة أخرى مهمة في صلب الموضوع، فالحكومة هي المطالبة بتنفيذ النموذج التنموي (بعد صياغته)، بمعنى آخر إشراك الأحزاب ضروري لأن الحكومة القادمة في 2021 ستكون مكونة من الأحزاب وهذه الأخيرة هي التي ستنفذ، حيث أن إشراك الأحزاب سيؤدي إلى توافق وطني حول القضايا الاستراتيجية حتى لا يتفاجأ الناخب عند تنزيل النموذج التنموي ببرنامج غير مطابق لما تم التوافق عليه خلال المحطة الانتخابية، وهذا التوافق يجب أن يستحضر مشاركة كل المكونات المجتمعية: المعارضة، الأغلبية، المجتمع المدني، الجمعيات، النقابات، الباطرونا .. وبالتالي تنفذ الحكومة المنتخبة ما تم التوافق عليه وطنيا وتبقى الأمور التي لا تتسم بطابع الاستراتيجية قابلة للإدراج في خانة فليتنافس المتنافسون.

1- بادير: كان يجب إشراك الأحزاب لما لها من دور أساسي في إعداد وتنزيل النموذج التنموي

بالمقابل، وفي إطار عملتي التقويم والاستشراف، اعتبر بادير أنه يجب التخلي عن نموذج النمو المبني “على الطلب” وإعادة الاعتبار للصناعة لأن البلاد في تقهقر صناعي واضح/ كبير وله تداعياته المختلفة، وحتى المخططات الصناعية: انبثاق، البرنامج الوطني الصناعي … كلها فشلت في إعادة الاعتبار للصناعة المغربية.

ونوه عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة إلى أن الإصلاح يجب أن ينصب كذلك على بعض العلل المزمنة البنيوية في الاقتصاد المغربي ومن بينها: العجز المستمر في الميزان التجاري والعجز في التمويل وعجز الميزانية العمومية، وهناك أيضا ازدواجية الاقتصاد (القطاع المهيكل، القطاع غير المهيكل) وهناك أيضا ثنائية داخل كل قطاع: فلاحة الفقراء (زراعة معاشية، زراعة الحبوب ..) فلاحة الأغنياء (المصدرين) وفي الصناعة كذلك هناك صناعة “متردية” (النسيج، الجلد ..) وهناك صناعات تستأثر بالاهتمام المفرط للدولة كالسيارات الطائرات. وهناك الجانب المتعلق بالتمويل الذي يشكل أحد الأسس المهمة لتنزيل أي نموذج تنموي، يشدد بادير.

أمام الوضع المشار إليه وفي أفق الاستشراف ما الذي يجب فعله؟

جوابا على السؤال، يوضح بادير أنه يجب “تصنيع البلاد” بمعنى أن نلحق بالدول الصاعدة، وقبل ذلك لا بأس في تحديد موقعنا الراهن، فنحن الآن متوسط الدخل الفردي 240 دولار لكل فرد ببلادنا والحال أن مجموعة من الدول تتجاوزنا بهذا الخصوص (ناميبيا، الغابون، بوتسوانا، جزر موريس، غينيا الاستوائية ..) ونفس الشيء بالنسبة لعدد من الدول بشمال إفريقيا التي تتجاوز تنمويا هي الأخرى (مصر، الجزائر، تونس) وهو ما يعني على ملزمين بمواكبة الإيقاع الإفريقي قبل التفكير في اللحاق بالدول الصاعدة.

وعن تصور حزب الأصالة والمعاصرة لهذا الوضع واقتراحاته بشأن ما قدم خلال اللقاء الذي جمع قيادات الحزب في وقت سابق باللجنة المكلفة بصياغة النموذج التنموي برئاسة السيد شكيب بنموسى. أشار بادير أن هناك جملة من الحلول تتمثل بالخصوص في إعادة الاعتبار للصناعة وتمكينها من أن تساهم في الناتج الداخلي الخام للبلاد بما نسبته 23 في المائة وكذا القطع مع النمو المبني على الاستهلاك إضافة إلى إعادة النظر في دور الدولة وهذه نقطة مهمة ومن الواجب التنبيه إلى أنه ليس هناك نظام رأسمالي خالص بقدر ما هناك نظام يمزج بين الخاص والعام، بمعنى آخر يجب على الدولة أن تتدخل في الشأن الاقتصادي.

إلى ذلك، أوضح بادير أن جملة من البرامج فشلت في تحقيق أهدافها خاصة حينما نقارن المنجزات مع الأهداف المسطرة، فبرامج السيارات على سبيل المثال لم تحقق الهدف لأن النسبة المئوية لمساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام لم تصل إلى 23 في المائة واستقرت في نسبة 14 في الوقت الذي كان فيه الوزير الوصي على القطاع يتحدث عن إمكانية خلق 500000 منصب شغل فإذا بنا أمام إحداث 6000 منصب فقط علما أن الهدف كان يتمثل في توطيد الصناعة داخل البنية الاقتصادية بشكل عام، يتسائل بدير؟

ودعا بادير في هذا السياق إلى تنزيل إطار عام وسياسة عامة تستنبط منها السياسات القطاعية للحفاظ على التجانس والتوافق. ونبه بهذا الصدد إلى هناك 3 تحولات يجب على بلادنا أن تأخذها بعين الاعتبار وتهم مبدئيا “التحول الاجتماعي” على أساس توسيع الطبقة الوسطى التي تشكل حاليا 25 في المائة في حين أنها تمثل في ماليزيا 75 في المائة، وهناك التحول الرقمي حيث حاليا نتحدث عن المنزل، السيارة، المصنع كلها عناصر مرتبطة بالرقمي مع العلم أن 60 من المهن الحالية قد تختفي في ظل الثورة الرقمية، وكذا يجب استحضار التحول البيئي وهنا وجبت الإشارة إلى أن الاتفاقية المبرمة مع “رونو” و “بيجو” لا تلزمهما مستقبلا بإنتاج محركات تشتغل ب “الكهرباء” وسيكتفيان فقط ب “الدييزيل” علما أن هذا الأخير سيتوقف استخدامه بعد 15 سنة المقبلة في أوربا، وهنا وجب التأكيد على أن الاستشراف أساسي لكل استراتيجية.

2- بادير: استشراف المستقبل يقتضي نهج سياسة أساسها التصنيع مع التركيز على الأهداف والبرامج

بادير عرج على البعد المؤسساتي والبعد السياسي في ارتباطهما بموضوع النموذج التنموي الجديد، واعتبر أن مداخلة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة السيد حكيم بن شماش وردت فيها إشارات إلى ضرورة إدراج إصلاحات على مستوى النص الدستوري، فبالنسبة للغرفة الثانية مثلا فالنمط الانتخابي الحالي لا يسمح بأن تلج الكفاءات العليا بالمغرب هذه الغرفة في حين أنهم في حاجة ماسة لها، الغرفة الثانية تقوم بوظيفة مهمة وهي “الدبلوماسية البرلمانية”، ولو كان هناك السفراء القدامى الذين كان لهم مسار مميز، يقول بادير، دبلوماسيا وهم العارفين بخبايا العلاقات الدولية والدبلوماسية مع جميع الدول، لو حظيوا بعضوية الغرفة لتكلفوا بالدبلوماسية البرلمانية وكانت ستكون دبلوماسية ناجحة، ولكن الآن بهذه الطريقة التي تمر فيها الانتخابات من المستحيل أن يصلوا للبرلمان.

ودافع بادير كذلك عن مقترح الأمين العام بخصوص منح الصلاحية لجلالة الملك بتعيين 40 عضوا بهذه الغرفة من الفئة قيد الحديث : سفراء قدامى، وزراء قدامى … أبانوا عن علو كعبهم في مجال اشتغالهم حتى تستفيد بلادنا من خبراتهم المتراكمة. وهكذا وعلاقة بهذه النقطة فإن اللجنة يجب أن تنكب على الجانب المؤسساتي.

القرار في نهاية المطاف هو سياسي والجانب السياسي أهميته لا جدال فيها، وأهمية الأحزاب لا جدال فيها أيضا وبالتالي المعيقات التي تقف أمام عمل الأحزاب يجب أن ننكب على إصلاحها، يسترسل بادير، ويجب على كل بلد أن يفكر مليا في كيفية إيجاد مخرج وتوازن بين الخبرات والكفاءات والتمثيلية الديمقراطية أي الانتخابات، يجب أن نجد توليفة لإيجاد توازن بين الخبرات والكفاءات ليس بالمفروض أن تكون سياسية قادمة من صناديق الاقتراع وبين التمثيلية الديمقراطية.

3- بادير: الحاجة ملحة لإصلاحات سياسية تسمح بولوج “الكفاءات” للغرفة الثانية وغيرها من المؤسسات

وعلاقة دائما بالنموذج التنموي، استطرد بادير بالإشارة إلى أن الرؤية الاقتصادية تنبثق من رؤية مذهبيــــة، وحاليا فالمذهب السائد في المغرب هو ما يعرف ب “توافق واشنطن” منذ 1984 إلى حدود اليوم (أدخلت عليه تحسينات تهم مواجهة الفقر والبطالة) .. مذهب فرض علينا، يوضح بادير، لتأطير “التقويم الهيكلي” وتقزيم أدوار الدولة فيما يخص تدخلها الاقتصادي ونهج “التحرير” بشكل مفرط والخوصصة رغم تبعات ذلك. مضيفا بالقول: ” لم نشهد منذ 1984 قطاعا وطنيا أخذ على عاتقه موضوع التشغيل وإحداث الثروة لحل معضلة الفقر، ولم يعد هناك من مجال للانتظار أكثر”.

وذكر المتحدث أنه يجب توسيع مجال تدخل الدولة لأنه جانب متضمن في المذهب الرأسمالي، حيث أن الدولة والقطاع الخاص متضامنين غير متناقضين، والمفروض أن الدولة “ميسرة” و”مقننة” و”موجهة” يجب أن تنضاف إليها صفة الدولة “المنمية” وكذا صفة الدولة “المقاولة” (خاصة عندما يعجز القطاع الخاص). كما أن بلادنا تعيش إشكالات اجتماعية عويصة وهنا من الممكن تبني “الديمقراطية الاجتماعية” كما هو الشأن في العديد من البلدان الأوربية.

نحن في حاجة إلى مذهب رأسمالي بتوليفة بين العام والخاص وتفعيل الرأسمالية الاجتماعية، يقول بادير، مؤكدا على ما يحدثه الاستثمار من فرص للشغل وإمكانيات اقتصادية مهمة وتقوية بنياته ليصبح استثمارا منتجا ودعم الآليات التي من شأنها تحقيق طفرة استثمارية.

4- بادير: النموذج التنموي يجب أن يقوم على توسيع مجالات تدخل الدولة والقطاع الخاص

مراد بنعلي

"فضـاء النقـاش" منصة للتـواصـل والتفـاعل بين زوار البوابة الرسمية لحـزب الأصـالة والمعـاصرة، وعليه، فالآراء الواردة به لا تُعبِّر بالضرورة عن مواقف رسمية للحزب، بقدر ما تعكِس وجهات نظر أصحابها...