كلمة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة حكيم بن شماش في افتتاح أشغال لقاء طنجة التشاوري لشبكة الأحزاب الديمقراطية في شمال إفريقيا (طنجة، 23 فبراير 2019)

0 206

هناك في حياة الشعوب والأمم لحظات تشرق في الذاكرة، وتعطينا فكرة نبيلة عن الوطن والإنسان والتاريخ الذي ننتمي إليه، هذه اللحظات عصية على النسيان، رغم أننا لا نجد بسهولة الكلمات التي تسعفنا على التعبير عما تبعثه في نفوسنا، من مشاعر الافتخار والاعتزاز، وعما تنطوي عليه من المعاني والدلالات الكثيفة.

طنجة التي تستقبلكم وتحتضنكم أيها الإخوة الأعزاء تذكرنا بتاريخنا الكفاحي والتحرري المشترك،ولعلكم تشعرون بما نشعر به، أن مجرد التآمنا هذا، بحد ذاته، هنا في مدينة البوغاز، هو تعبير عن الوفاء لطلائع وأجيال الاستقلال والنضال التحرري، وهو تعبير في نفس الوقت عن استعداد لا نشك في صدقه لتحمل المسؤولية تجاه شعوبنا وأوطاننا على امتداد إقليم شمال أفريقيا: ملتقى القارات الثلاث.

رواد الوطنية والتضحية والمقاومة من أجل استقلال ودمقرطة وتقدم أوطاننا، ومن أجل عزة وكرامة شعوب المنطقة، وفي مقدمتهم أولئك الذين صنعوا حدث طنجة الخالد في يوم 17 أبريل 1957، معبرين من خلاله عن رفضهم القاطع للاستعمار الغاشم، ومؤكدين على وطنيتهم الصادقة ووحدة شعوب المنطقة والمصير المشترك.

نحن اليوم في حاضنة طنجة بكل ما تكتنزه من دلالات تاريخية مكثفة ومعاني إنسانية وتحررية مشدودة إلى أفق الحداثة الواسع، إنها طنجة الدولية التي غذت جذورها الوطنية، عندما جاهرت بالمطالبة بالاستقلال وتكريس وحدة الأمة بمناسبة الزيارة التاريخية للملك الراحل محمد الخامس إلى طنجة يوم 9 أبريل من سنة 1949، إنها طنجة منارة استقلال وتحرر الوطن العربي، فمن داخل فنائها ارتفعت أصوات التأييد والدعم لثوار وأحرار الجزائر البواسل، وجعلت من المغرب الكبير وحدة للانعتاق من وصاية الأجنبي.

وعندما نجتمع اليوم في طنجة، ليس ما يتيقظ فينا فقط التاريخ المشرق والذاكرة الحية ذاكرة رجالات التضحية الوطنية والاستقلال، إنها كذلك الدرس البليغ للمستقبل المنشود الذي نطمح إليه جميعا نحو المزيد من الدمقرطة والتنمية والتكامل.

إننا نطمح اليوم، أن نجعل من طنجة، الرمز التاريخي للتنوع والتعدد والانفتاح والتسامح، منطلقا لانبثاق وبزوغ ما ندعوكم، أصدقائنا وإخواننا الأعزاء، إلى تسميته بفكرة “الوطنية الثانية”، على مستوى بلداننا، وطنية قائمة على المواطنة الدستورية، ذات البعد الدامج، الدمج بكل أبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية والمجالية و بمعناه القائم على التضامن بين الأجيال،

يأتي لقاؤنا اليوم تنفيذا لإحدى توصيات إعلان المنستير بتاريخ 15 أبريل 2018، الذي دعا إلى لقاء طنجة، وتشرف حزب الأصالة والمعاصرة بتشكيل لجنة تحضيرية لمواصلة التشاور وتقريب وجهات النظر السياسية بين الأحزاب الديمقراطية التقدمية والحداثية بمنطقة شمال أفريقيا، وهو كذلك لقاء لمواصلة الدينامية التيأطلقها إعلان الجزائر على هامش المؤتمر الخامس للأرسيدي بالجزائر العاصمة بتاريخ 9و10 فبراير 2018.

إن مبادرة تشكيل هيئة من الأحزاب الديمقراطية التقدمية والحداثية من منطقة شمال أفريقيا لتبادل الأفكار والتداول في راهن ومستقبل المنطقة، هي مبادرة لا تحتاج أن نؤكد مدى راهنيتها وملحاحيتها، بل وأكاد أقول استعجاليتها. كونها تجيب عن حاجة موضوعية ملحة مرتبطة بمتطلبات اللحظة السياسية والتاريخية الفارقة التي تمر منها المنطقة، والتي تستدعي منا جميعا تكاثف الجهود وتظافر الإمكانات لتحصين معركة الدمقرطة والتحديث، التي كما لا يخفى عليكم جميعا، تحتاج دائما وباستمرار إلى انتصار جديد وتعميق مستمر لتنعم شعوب منطقتنا بالازدهار والأمن وتنخرط بلا رجعة في زمن العصرنة والتحديث والتقدم. وإنها معركة تحتاج أيضا للمواجهة الشجاعة، بكل تكاليفها، للمخاطر السياسية المحدقة بقيم الحداثة والمجتمع الديمقراطي والتنوع المجتمعي والثقافي، في بلداننا وهي مخاطر فعلية لا يمكن إيهام أي كان بعدم وجودها.

لقد استطاعت الكوكبة الأولى من رواد الوطنية والمقاومة إبان كفاحهم من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، أن تنتصر للكرامة وهي تدحر قوى الانقسام والتجزيء الاستعماري، وكان ذلك بفعل وعيهم العميق بكل المخاطر التي كانت تحدق بمنطقتناـ وكان سلاحهم قيم الحرية والكرامة وزادهم الوحدة والتضامن حتى انتزعوا الاستقلال الذي جسد إرادتهم وإرادة شعوبهم.

واليوم، إذا كانت التحديات جديدة ومختلفة، فإن المخاطر التي تسائل الديمقراطيين الحداثيين في منطقتنا، هي نفسها مخاطر الأمس ولو بعناوين أخرى، وأوجه مغايرة، فقوى التفتيت والانقسام والمس بالوحدة الترابية لأوطاننا لازالت تتربص بوحدتنا، وعوامل التخلف والنكوص لازالت جاثمة على واقعنا، وأعداء الديمقراطية والتقدم لازالوا يحيكون المؤامرات، ولو أنهم غيروا خطاباتهم ولبوساتهم.

إن التهديدات المرتبطة بالحركات الإرهابية في منطقة الساحل وجنوب الصحراء، ووضعية اللااستقرار في بعض بلدان المنطقة وواقع الأزمة الاقتصادية والمالية، تعتبر من أهم التحديات التي تنتظر من أحزابنا برصيدها النضالي ومرجعياتها الديمقراطية والتقدمية والحداثية إيجاد أجوبة لهاـ وإبداع الأفكار السياسية والبرامج التنموية القادرة على هزم بواعث وأسباب هذا المرض الخبيث المسمى إرهابا، والذي يأخذ من الإسلام السياسي رداءا له، خاصة وأن قوى النكوص والـتأخر المستترة في عباءة الإسلام وهو بريء منها، تستثمر في كل الثغرات الاقتصادية والتأخر التنموي الذي تتسم به اقتصاديات بلداننا.

إن المخاطر الجسيمة التي يلحقها الإسلام السياسي، بفعل تطرفه وانحرافه عن المقاصد النبيلة للدين الإسلامي الحنيف، لا تقتصر فقط في بث البلبلة واللاأمن واللااستقرار في بلداننا، وخطورتها تتعدى مجرد تغذية حالة عدم اليقين المستشرية في مستويات معينة في بعض أجزاء منطقتنا، إلى نشر قيم ظلامية تفرمل وتعيق التقدم بالثبات المطلوب على درب تحقيق وتوطيد المشروع الديمقراطي ذي الأفق الحداثي الذي تسعى شعوبنا إلى تحقيقه.

الى جانب أوضاع تهدد بالتفكك القبلي والإثني السائد في بعض بلدان منطقتنا،والتأخر المجتمعي الذي ينهك العديد منها، والاحتقان الاجتماعي واستمرار التجاذبات بين الفرقاء ، فضلا عن حالة الاحتباس التي طالت البناء الديمقراطي، في بعض دولنا، بفعل الحضور المشوش للنكوصية، تنضاف تحديات أخرى تزداد تفاقما.

إنني أذكر هنا ليس فقط بالتحديات المرتبطة بتصاعد الشعبويات بمختلف ألوانها الإيديولوجية، وبروز خطاب الانغلاق الهوياتي والكراهية والتطرف العنيف المبني على أساس ديني على المستوى العالمي و على المستوى الإقليمي كإحدى النتائج غير المباشرة للديناميات التي سميت ب”الربيع العربي”، مما يطرح مخاطر جدية فيما يتعلق بحماية قيم المجتمع الديمقراطي وتعاظم حجم التحديات التي تواجهها على حد سواء الديموقراطيات الناشئة والموطدة. ولكنني أتحدث أيضا عن ظهور جيل جديد من التحديات يتعلق بكيفية جعل الديمقراطيات أكثر ابتكارا واستجابة للقضايا الناشئة: (الهجرة ،تغير المناخ، الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، التنمية المستدامة، تقليص التفاوتات المجالية، تدبير التنوع اللغوي والثقافي، حماية قيم المجتمع الديمقراطي من الشعبويات، والتطرف العنيف، وخطاب الكراهية و العنصرية) وهي تحديات مشتركة بين بلداننا على تنوع تجاربها، وهي حتما تحديات تسائلنا جميعا.

أمام هذه الأوضاع، لا خيار أمام الديمقراطيين وكل التواقين إلى الحداثة والتقدم سوى تحويل كل هذه التهديدات والتحديات إلى فرص وإمكانات لإنقاذ مشروعنا الديمقراطي المصاب بالوهن والمهدد بالإخفاق.

لكل هذا فإن لقاءنا اليوم في مدينة طنجة، لهو مناسبة نتمنى أن نوقع فيها على شهادة ولادة ما دعوته بفكرة ” الوطنية الثانية”، مناسبة لاستعادة الثقة في النفس وفي قدرتنا الجماعية على تجاوز حالة عدم اليقين، مناسبة نبني فيها معا شروطا إضافية لمواصلة واستئناف كفاحنا المشترك نحو التغيير الديمقراطي داخل استمراريتنا التاريخية.

إن ما ننشده من ديمقراطية وحداثة، كأحزاب حملت على عاتقها المشروع الديمقراطي التقدمي المشدود إلى أفق الحداثة بمنطقة شمال إفريقيا، هو وحده الكفيل بأن يخرج هذه المنطقة من مرحلتها الرمادية، ويدفع بها نحو مستقبل أكثر استقرارا وتماسكا ودمقرطة.

إن دور الأحزاب السياسية الديمقراطية، هو أن تضطلع بمسؤولية التوحيد والتعايش السلمي، ونبذ دواعي الانقسام وتجزيئ أوطاننا، لنمنح لشعوبنا الأرضية الصلبة والخصبة للانطلاقة الدائمة نحو التقدم والتنمية.

لذلك نحن مدعوون إلى طرح الأسئلة التاريخية بعمق، ومراجعة الواقع والحقائق بوعي أساسه النقد المسكون بهواجس البناء والتوجه نحو المستقبل، مدعوون لفتح نقاش عقلاني وواقعي حول السبل الجديدة وإبداع الآليات لتنمية اقتصاديات شعوبنا، وتقوية أمننا المادي والروحي، وتوفير الشروط الحقيقية لشباب المنطقة لكي يفجر طاقاته الإبداعية ، شروط قادرة على الحفاظ على مقومات هويتنا المتعددة، والمنفتحة على متطلبات العصر، ومبادرة باستمرار لتطوير بيئتها التشريعية ونظمها ومؤسساتها لتمتين صرح الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والمؤسسات.

إننا مدعوون كأحزاب ديمقراطية حداثية بأن نتدارس ونبحث عن الطرق المثلى لتعزيز تميز منطقة شمال أفريقيا في كل أبعادها الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية واختياراتها السيادية التي تفرض علينا احترامها وتقديسها، وفي مقدمة هذه الاختيارات السياسية الوحدة الوطنية والترابية ورفض التجزيء والتقسيم والتشرذم، وأن نحمي دولنا و مجتمعاتنا المتنوعة من مخاطر تفكك الأنسجة الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية التي بنتها بجهد و اقتدار و بتضحيات جسيمة منذ استقلالها.

وفي هذا الصدد نقترح أن تنكب جهودنا جميعا نحو الوضع في الشقيقة ليبيا ومستقبلها.

ونراهن في هذا الإطار أيضا على الأدوار التي يمكن أن نقوم بها كأحزاب سياسية لأننا الرافعة المجتمعية الحقيقية لتحقيق طموحات شعوبنا والعمل على تبديد الخلافات وتجاوزها والسمو عن أخطاء الماضي.

إن الجميع على وعي تام بالتكلفة الاقتصادية الباهظة التي نؤديها جراء هذا التباعد الذي يريده أعداء منطقتنا أن يدوم ويستمر.

واليوم، وبعد 60 سنة من لقاء طنجة التاريخي، فإن عمقنا الشعبي في أوطاننا، ومصداقية مشروعنا الديمقراطي الحداثي المستقبلي يدعونا إلى طرح أسئلة قديمة جديدة انطلاقا من امتداداتنا الشعبية وعمقنا المجتمعي، ويدعونا أن نتحمل مسؤولياتنا التاريخية، وننفض عنا غبار الانتظارية والتردد والتلكؤ والانكباب الجماعي انطلاقا من المساحات الشاسعة للمشترك على رسم معالم الغد المشرق لشعوب المنطقة والتعاون الجماعي لمواجهة التحديات العديدة التي تهدد مصالح المنطقة الجيو-استراتيجية وفي مقدمتها رهانات التنمية المستدامة، واستكمال البناء الديمقراطي لعموم بلدان شمال أفريقيا، ومعالجة القضايا الأمنية والسياسية، وتعزيز التبادل والتعاون الاقتصادي ..

لذا يتعين علينا، نحن الأحزاب الديمقراطية، الحداثية والتقدمية بشمال إفريقيا، أن نقدم عرضا سياسيا متكاملا وذا مصداقية في مجالات تقوية حماية حقوق الإنسان، تشريعا و ممارسة، بما في ذلك الحقوق المدنية و السياسية، و تشجيع حرية التعبير و تكوين الجمعيات والاجتماع و التظاهر السلمي، و مكافحة التمييز بجميع أشكاله لاسيما منه القائم على أساس الدين أو الجنس أو الانتماء الجغرافي، و إصلاح العدالة، ودعم العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، وتقوية مشاركة المجتمع المدني في السياسات العمومية، وحماية التنوع الديني والثقافي في مجتمعاتنا، وإصلاح المناهج التربوية و مكافحة خطاب التطرف والكراهية، وتقوية الديمقراطية المحلية، ودعم مسارات العدالة الانتقالية والنهوض بالحقوق الإنسانية للنساء و الشباب.

إن مواطناتنا ومواطنينا، ينتظرون منا، نحن الأحزاب الديمقراطية، الحداثية والتقدمية بشمال إفريقيا، أن نقدم إجابات ملموسة على تحديات بناء سياسات اجتماعية متكاملة ومندمجة، وتوزيع ثمار النمو على الفئات الاجتماعية الأكثر فقرا و على الجهات الأقل تجهيزا مع ضمان الطابع الأفقي لقضايا النوع و المساواة سواء على مستوى السياسات العمومية الوطنية أو على مستوى السياسات العمومية المحلية. كما ينتظرون منا إجابات عملية، نترافع جميعا من أجل تحقيقها تخص مواجهة تحديات التغيرات المناخية و تحقيق التنمية المستدامة.

إن الإجابة عن هذه التحديات هو ما من شأنه أن يقطع الطريق على من يريد من القوى الأجنبية أو من قوى النكوص الداخلية، اختراق مجتمعاتنا لتفكيكها اعتمادا على جوانب الهشاشة فيها .

ويظل مطمح إيجاد نموذج ملائم للتحول السياسي والاقتصادي بمنطقة شمال أفريقيا رهينا بوجود نخب سياسية قوية ومبدعة، ذات مصداقية، تنتصر للمستقبل المشترك، وترفض أي خلط للخلافات الثنائية مع المصالح الإقليمية الكبرى.

هذا هو الطموح المشترك الذي ندعوكم أن نحلق إليه بشكل جماعي وتشاركي. نعم قد يبدو ذلك، بالنسبة للبعض، مجرد حلم وطوبا، ولكن لنتذكر أن الإنجازات العظيمة تبدأ بخطوات صغيرة، وأن رحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى.