مزايا وعيوب التكنوقراطي

0 256

ذ. جمال مكماني

التقنوقراطي هو شخص يمتلك كفاءة معرفية أو خبرة واسعة في مجال معين، يتميز أداؤه في التدبير بالتطبيق الحرفي لتوجهات الدولة ولاستراتيجياتها، تحول من مجرد مساعد للفاعل السياسي إلى مهيمن على الفعل السياسي، مستفيدا في ذلك من ميل كفة الصراع على المستوى العالمي لصالحه نتيجة تزايد الطلب على الخبرة والمعرفة المتخصصة والأداء التقني في تدبير الشأن العام. يتميز فعله السياسي بنهج السلوك البرغماتي والتقليل من أهمية الإنتماء السياسي ولا يبالي بمسألة المحاسبة السياسية لأنه لا يستمد شرعيته من الديمقراطية التمثيلية. فما هي مزايا وعيوب التقنوقراطي مقارنة بالفاعل السياسي الحزبي؟

يمكن المجازفة بالقول أنه منذ الإستقلال كان حضور التقنوقراطي دائم من داخل الحكومات المغربية، سواء كمستقل ومحايد سياسيا أو كمنتمي لا يجمعه بالإنتماء سوى الغطاء السياسي، وغالبا ما يكون حضوره وازنا من داخل التشكيلة الحكومية مقارنة بالفاعل السياسي الحزبي. كما أن القطاعات التي يشرف عليها تكون استراتيجية وذات أهمية تحتاج إلى التكوين والخبرة الإقتصادية، لذلك فهو يقدم نفسه على أساس أنه المنقذ خلال الأزمات نتيجة امتلاكه للخبرة التقنية والدراية اللازمة بالمخططات الإصلاحية، تتلقى هذه الفئة من الفاعلين السياسيين تكوينها بالمعاهد والجامعات والمدارس الفرنسية، وتمتلك الخبرة من خلال تدرجها داخل الوظائف الإدارية. وإذا كان الفاعل الحزبي يتدرج في الهيئات والتنظيمات الموازية للحزب ويؤمن بتجديد النخب على أساس تدويرها من داخل التنظيم الحزبي، فإن التقنوقراطي غالبا ما يتدرج في الهيئات والوظائف التي تكون تحت الإشراف المباشر للدولة، لذلك نجد مقاربته في التدبير واقعية وتهتم بالنتائج المتحققة أكثر من اهتمامها بالآثار الجانبية لذلك، وما يحفزه على ذلك غياب المحاسبة السياسية، ولا يهمه إن كان التدبير ينبني على قرارات أكثر شعبية أو على عكس ذلك.

يتوفر الفاعل السياسي الحزبي على الشرعية الإنتخابية والإمتداد الشعبي، على عكس التقنوقراطي الذي يفتقد دوما للشرعية السياسية حتى حينما يتم (استقطابه) من طرف الأحزاب، يُنعث من طرف الرأي العام الداخلي للحزب بالمظلي بينما ينظر إليه الرأي العام الخارجي على أساس أنه فاقد للتكوين السياسي. لطالما وجد التقنوقراطي صعوبة بالغة في التأقلم مع ميكانيزمات تحريك المصعد الحزبي، بسبب إفتقاره للثقافة التنظيمية الحزبية، وتعوده على الجاهز بدل الشقاء الذي تحتاجه عملية البناء. إنه ينطلق دوما من رأسمال جاهز سواء كان معرفي أو إقتصادي أو إجتماعي، يحاول من خلاله أن يغطي عن ضعفه وقلة خبرته بالشأن السياسي.

إن هيمنة المقاربة التقنية على الممارسة السياسية عالميا، بسبب سيطرة هاجس التنمية على جميع أشكال التفكير الإنساني، وسرعة تقلب الظروف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، وكذلك عدم القدرة عن الجواب على سؤال التنمية المزمن .. رفع من وثيرة الشك بخصوص قدرة الفاعل السياسي الحزبي على تحسين المؤشرات الإقتصادية والخروج من الأزمات الإقتصادية المتتالية، وهذا الأمر زاد من حدة نبرة صوت المدافين عن راهنية التقنوقراطي في الجانب المرتبط باستثمار معرفته التقنية. وبدل أن يمتلك الفاعل السياسي الحزبي الجرأة اللازمة لإعلان الصراع مع هذا الفاعل الذي تحول من مساعد إلى منافس على السلطة، سوف يتماهى مع هذا الوضع نكاية بباقي الفاعلين الحزبيين بسبب صراعات هامشية لا تعطي أهمية لهذا الكائن الذي يزحف عليهم جميعا بشكل يومي.

بالرغم من محاولة تحزيب فئة التقنوقراط بغية إضفاء طابع الشرعية عليهم، فإن ذلك لا ينفي عليهم ذلك الإنطباع السائد لدى الرأي العام، بخصوص غايتهم المتمثلة في التضييق على النخب الحزبية وتهديدهم للتمثيلية الإنتخابية والإعتقاد بصعوبة محاسبتهم بسبب قوة سلطتهم، لذلك فوجودهم هو تهديد للحياة السياسية والممارسة الديمقراطية. كلما اتسعت دائرة التقنوقراط داخل الحكومات كلما اتسعت دائرة النقد الداخلي والخارجي من طرف المتتبعين للشأن السياسي بخصوص الإحتكام للمنهجية الديمقراطية في تدبير شؤون الحكومة.

أعتقد أن الفاعل السياسي الحزبي بإمكانه أن يحقق نتائج مبهرة إلى جانب التقنوقراطي، من خلال توليفة تجمع بينهما في التدبير سوف تحقق تكامل أدوارهما، وذلك يجعل التقنوقراطي مساعدا ومكملا للفاعل السياسي الحزبي وليس العكس، من خلال تدبير التقنوقراطي لكل ما هو إداري صرف تحت القيادة السياسية للفاعل السياسي الحزبي، وبهذا سوف نحافظ على مشي السياسية ببلادنا على رجليها بدل التفكير في جعلها تمشي على رأسها.

"فضـاء النقـاش" منصة للتـواصـل والتفـاعل بين زوار البوابة الرسمية لحـزب الأصـالة والمعـاصرة، وعليه، فالآراء الواردة به لا تُعبِّر بالضرورة عن مواقف رسمية للحزب، بقدر ما تعكِس وجهات نظر أصحابها...