مستخدمو القطاع الخاص بين جائحة كورونا وتسلط رب العمل

0 464

عبدالله زمورة خبير اقتصادي.

أرغمت جائحة كورونا السلطات المغربية على تبني حالة الطوارئ الصحية والتزام الحجر الصحي، فتم إغلاق المدارس وإلزام المقاهي والمطاعم والفنادق ومؤسسات أخرى بالإغلاق خوفا من تفشي الوباء، بل إن تداعيات الحجر الصحي تسببت في إغلاق الكثير من المقاولات في القطاع الخاص، بعضها إلزاميا وأخرى بسبب تدني رقم المعاملات.

جاء صندوق كوفيد والذي يعتبر بمثابة العاصفة التي أزالت الستار الذي يخفي الحقيقة المرة، فرغم شلل الإقتصاد وإغلاق أكثر من 80% من مقاولات القطاع الخاص فعدد الفاقدين للشغل المصرح بهم لم يتجاوز 900 ألف أجير. فالمعطى الذي ظلت تتكتم عليه الحكومة هو أن العدد الإجمالي للمنخرطين في صندوق الضمان الإجتماعي لا يتجاوز 3 ملايين و300 ألف منخرط رغم ان عدد السكان النشيطين الذين يلجون سوق الشغل في القطاع الخاص هو 10 ملايين و 429 ألف مشتغل في نهاية 2019 حسب المندوبية السامية للتخطيط, يعني ان أكثر من 7 ملايين مستخدم غير مصرح بهم في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي.

علاقة الشغل في المغرب هي علاقة غير متوازنة لصالح أرباب العمل على حساب المستخدمين في غياب مراقبة فعلية من الدولة وفي ضل التفاوت الكبير بين طلب العمل وعرضه الذي يسببه المستوى الإقتصادي المتدني.

فباستثناء القطاعات الخدماتية والمؤسسات الإقتصادية الكبرى خاصة فروع الشركات الأجنبية والمقاولات المجهولة الإسم التي تخضع للمراقبة المحاسباتية الإلزامية، فإن قطاعات كثيرة لا يصرح فيها الا بعدد قليل من العمال خاصة قطاع البناء وشركات النسيج، وهناك قطاعات تنعدم فيها التصريحات مثل المقاهي والمطاعم وتجار الألبسة والمواد الغذائية وتجار القرب.

فمن خلال معطيات لجنة اليقظة الإقتصادية، يتبين أننا بعيدين عن اقتصاد المؤسسات وبعيدين عن روح الأقتصاد المواطن وعن الديمقراطية الإقتصادية، فقط 900 ألف مصرح بهم متوقفين عن العمل ومنهم أرباب الشركات نفسها وأفراد أسرهم المصرح بهم للإستفادة من التقاعد والذين لايزاولون اي نشاط داخل المقاولات ومنهم مستخدمون لم يتوقفوا عن العمل وبضغط من ارباب العمل يتم التصريح بهم متوقفين ويؤدون لهم الفرق بين الاجر الحقيقي ودعم الدولة.

مآسي كثيرة عاشها عمال ومستخدمو القطاع الخاص غير المصرح بهم، فمنهم من استفاد لتوفره على بطاقة رميد، ومنهم من لم يتقاضى أي درهم بعد رفض طلبه. ويعتبر مستخدموا قطاع التعليم الخصوصي من أكبر المتضررين من الجائحة خاصة بعد رفض الدولة لأحقيتهم في الإستفاذة من التعويض عن فقدان الشغل رغم أن المدارس الخصوصية لم تخسر شيئا بسبب إلزامية الأباء بالأداء عن كل السنة، لكن مستخدمي هذا القطاع لم يستفيدوا من أجرهم ومنهم من استفاد فقط من انصف بعد سخاء رب المؤسسة.
للأسف الشديد، فصندوق تدبير جائحة كوفيد 19 حدد فقط مبلغ 2000 درهم كتعويض دون مراعاة الأطر العليا وأيضا المستخدمين ذووا الأجور المتوسطة و دون إرغام المقاولات على تأدية الفرق او نسبة من الأجر، بل فقط كان هناك تشجيع ضريبي محتشم واختياري لم يتم اعتماده من طرف أغلب المقاولات.

فحتى لا اطيل عليكم في سرد التجاوزات والانتهاكات التي تعكس التسيب الذي يعرفه القطاع الخاص في المغرب والذي يجعل المستخدم حلقة ضعيفة في علاقة العمل والتي يؤطرها قانون الشغل المعدل الخالي من بنود متعلقة بحالات الطوارئ والكوارث الطبيعية.

فالجائحة أيضا كانت مناسبة لبعض المقاولات للتخلص من بعض المأجورين الذين اشتغلوا لمدة طويلة دون استفادتهم من تعويضات الضرر والطرد التعسفي، ومنهم من استغلها لتخفيض الأجور خاصة للأطر في غياب أية مذكرة تأطيربة من الحكومة التي تركت المأجورين تحت رحمة أرباب العمل.

فنهاية الحجر الصحي لا يجب أن تكون بداية لاستعادة الحياة السابقة، بل يجب تصحيح كل الأخطاء ووضع القطار في السكة الصحيحة التي هي مأسسة الإقتصاد والسهر على تطبيق الديمقراطية الإقتصادية التي تعتمد على المساواة في الحقوق بين أرباب العمل والمستخدمين والتوزيع العادل لخيرات المقاولة الكل حسب مساهمته.

فأول خطوة يجب تطبيقها على جميع مقاولي القطاع الخاص وهي إلزامية التصريح في الضمان الإجتماعي لكل المستخدمين ويجب ان يشمل كل نشاط اقتصادي ولو بمستخدم واحد، ويجب التشديد على المقاهي وتجار القرب وخادمات البيوت ومستخدمي المنازل وبصفة عامة: كل من يتقاضى أجر يجب ان يصرح به، وهذا هو القانون 1-72-18 لسنة 1972 المنظم للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي والذي يحتاج فقط لتطبيقه وتشديد المراقبة عليه، وأقصد المراقبة النزيهة.

فأي نمودج تنموي لن ينجح دون هيكلة القطاع الخاص و إشراك الجميع في خلق الثروة وتوزيعها توزيعا عادلا بين كل المتدخلين.

 

"فضـاء النقـاش" منصة للتـواصـل والتفـاعل بين زوار البوابة الرسمية لحـزب الأصـالة والمعـاصرة، وعليه، فالآراء الواردة به لا تُعبِّر بالضرورة عن مواقف رسمية للحزب، بقدر ما تعكِس وجهات نظر أصحابها...